لولا الدراسة ....
عندما تركت هدى منزلها ووطنها في عام 2005 ، لم تكن قد اختارت الغربة لكن تعرض زوجها الذي يعمل في وظيفة حساسة الى التهديد من قبل جماعة مسلحة ارغمها على مغادرة الوطن مع زوجها واطفالها الثلاثة ...تقول هدى : كلما أضع قدمي على عتبة المطار وأشم هواء العراق واحتضن أحبتي ، أكره تلك اللحظة التي غادرتهم فيها ، اذ اضطررت الى الاستقرار والحصول على الاقامة في بلد اوروبي وحصلنا على جنسية ذلك البلد بسبب تعرض زوجي للتهديد في بلده وهكذا قمنا بتسجيل اولادنا في مدارس اوروبية وبلغوا الآن مراحل متقدمة واعتادوا على اسلوب الدراسة والعيش هناك ،لذا تظل عودتنا الى البلد أمنية صعبة لأن ذلك يعني الغاء عدد من سنوات دراستهم بعد معادلة شهاداتهم الدراسية في العراق فضلا عن عدم استيعابهم المواد باللغة العربية ..وتحاول هدى وزوجها تعويض حرمانهم من بلدهم بزيارته سنويا خلال عطلتهم الدراسية ليعتاد اولادهم على أهلهم ويسعدهم ان يراقبوا استمتاعهم بالتعرف على اولاد أعمامهم واخوالهم وقضاء أوقات سعيدة معهم لكنهم في النهاية مرغمون على العودة الى بلاد الجليد ومبارحة دفء الوطن لكي لايحرموا اولادهم من مستقبلهم الدراسي واعتيادهم على العيش في الخارج ..
حلم بعيد
من جهته ، يرى حازم الربيعي ان المتضرر الوحيد من التغرب عن الوطن هم الآباء والامهات فهو ومنذ مغادرته العراق الى الولايات المتحدة الامريكية في عام 1991 بعد أحداث الانتفاضة الشعبانية يحلم بالعودة الى العراق نهائيا ، اذ غادره شابا وكان يحلم باليوم الذي تنتهي فيه أيام حكم الطاغية ليعود ، وعندما يئس من ذلك أرسل في طلب ابنة خالته ليتزوجها وينجب منها اولادا حاول جاهدا ان يلقنهم تعاليم دينهم الاسلامي ويتحدث معهم باللغة العربية لكن تفاعلهم مع البيئة التي عاشوا فيها خلق حاجزا بينهم وبين البلد الذي لم يولدوا فيه ..ويحاول والدهم ان يقنعهم انه بلدهم الحقيقي ، وهكذا ، وعندما سنحت الفرصة لزيارتهم العراق بعد سقوط الدكتاتور ، لم يشعروا بأنهم في بلدهم ورفضوا العودة اليه رفضا حاسما ، لذا اضطر والدهم ان يعود معهم الى بلاد الغربة ليقضي فيها سنوات اخرى أملا في أن يكملوا تعليمهم ويكمل رسالته معهم فيصبح من السهل عليه العودة على الرغم من سخريتهم من خطته لأنهم لم يلمسوا نفس الجمال والحميمية التي حدثهم عنها والدهم عندما زاروا العراق فقد رحل الكبار وتفرق الاحباب ولم يجدوا في الوطن الا الحر وانقطاع الكهرباء والفوضى التي جعلتهم يفضلون العودة الى بلد النظام والحرية والخدمات !!
غريب في بلده
أما سعد ابراهيم الذي غادر العراق في زوارق الموت بعد اقتناعه بضرورة الهجرة للبحث عن عمل لأنه عانى الأمرين في العراق من البطالة والمستقبل المجهول ففكر في الهجرة كحل لمشاكله لكنه وجد نفسه كمن يقف على أرض هشة لأنه عاجز عن التفاعل مع البيئة الاوروبية ومضطرا الى الاعتماد على راتب اللجوء فقط فلايمكنه هناك ايجاد عمل مناسب وبالتالي باتت أيامه ولياليه متشابهة وخالية من الدفء كما انه يعيش على الكفاف عندما يرسل الى والدته المريضة جزءا من راتبه ..يقول ابراهيم انه يتحرق شوقا للعودة الى بلده حتى لو اكتوى بناره لكنه سيحرم والدته من المعونة المالية وقد لايجد عملا كما لن يتمكن من الزواج وسيظل غريبا في بلده وهذا أصعب بالنسبة اليه فهو وان كان غريبا في الخارج لكنه يشعر بانسانيته لحصوله على راتب وتأمين صحي ..
في الوقت الذي يتألم فيه عماد ياسين من موقف زوجته التي أوقعته في ورطة كبيرة بسبب رفضها العودة الى الوطن بعد انتهاء مدة علاج زوجها التي استمرت لسنوات ، ويقول ياسين ان زوجته اصيبت بأعراض الانبهار بالغرب – كما يطلق عليها هناك – فلم تعد ترى راحتها في بلدها بل بدأت تتخلى تدريجيا عن القيم والتقاليد التي تربت عليها فيه وعندما حاسبها زوجها ، افتعلت خلافا كبيرا واستفزت زوجها ليعاقبها بالضرب ، وهنا لجأت الى السلطات الاوروبية لحمايتها منه لادراكها بأن ضرب المرأة هناك جريمة يعاقب عليها القانون خاصة اذا كان الزوج عربيا ومسلما فهو نوع من انواع الارهاب الذي يتهم به المسلمون في بعض البلدان الغربية ..في النهاية ، اضطر عماد ياسين الى التوقيع على تعهد بعدم التعرض لزوجته نهائيا وتم تطليقها منه بناءا على طلبه ، وعندما عاد الى العراق وحيدا وتركها في العالم الذي اختارته ، واجه مشكلة أخرى اذ اتهمه اهلها بالتخلي عنها وتركها في بلاد الغربة ، وهو حائر بين العودة الى بلد لايجد فيه ذاته او البقاء في العراق والخضوع لتهديدات اهل طليقته ومطالبته بفصل عشائري !!
كثيرة هي الحكايات المؤلمة عن عراقيين فقدوا توازنهم النفسي والعائلي لشعورهم بأنهم سيظلون معلقين أبدا بين نارين ..أو جنتين ، وربما لو حظي البلد بظروف مستقرة ووجد فيه ابناؤه فرص عمل وتعليم جيد وتوفرت لهم الخدمات الصحية والكهرباء والسكن لن يفكروا في مغادرته وقد يعود اليه من غادره الى الخارج ليستمتع بجنته غير آسف على جنان الغرب الزائفة ./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام