واصبحت المهن اليدوية التي توراثها الابناء والاحفاد جيلا بعد جيل و التي تحمل معها عبق الماضي الآفل وذكرياته علامة مميزة لبعض المدن وماركة مسجلة في بعض الاحيان لعوائل اشتهرت بمزاولتها على مر العقود وربما القرون ولقبت وعرفت كناها بتلك المهن احيانا".
وقد عرفت بعض اسواقنا واشتهرت بمهن دون اخرى واصبحت مجمعات لحرف يدوية كان لبعض الاسماء فيها سبق وتفوق وصيت نجم عن خبرة في التفنن لايادي عمال مهرة افتخر بها ابنائهم واحفادهم لاخلاصهم في العمل ودقتهم في التعبير والاتقان والالتزام بمواعيد تسليم حاصلهم من العمل".
وبحث المتبضعون عن المنتجات المصنوعة يدوياً لا ينطبق على بلدنا فحسب بل ينسحب على متبضعي عديد الدول الاخرى ومدنها ، ويحرصون على اقتنائها ويفضّلونها على غيرها من منتجات الماكنة محليا كان ام مستورد لخصوصيتها الناتجة عن خبرة الاعوام المتراكمة لاسطواتها ".
ومهنة الندافة واحدة من تلك المهن التـي بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة باستخدام عدة النداف القديمة ، على الرغم من أنها تعد مهنة يتلصق بها التراث، ويرتبط بها ارتباطاً وثيقاً".
ويقال إن مهنه الندافة اشتهرت في بغداد ايام الدولة العباسية و إن أصلها في العراق ثم انتشرت المهنة في بقيه البلدان".
ولعل سوق الغزل في بغداد كان وما يزال يعد من أشهر أماكن الندافين, حيث يباع القطن في بالات كبيرة ورغم إن الغالبية من أرباب هذه المهنة قد غادروها إلى إعمال أو مهن أخرى نتيجة عزوف اعداد من الناس عن شراء المفروشات القطنية واتجاههم إلى استخدام البدائل الحديثة لهذه المستلزمات ولكن رغم ذلك ما زال البعض ممن امتهن الندافة يؤكد وجودها في بعض المحلات البغدادية خاصة (القديمة) منها متحديا إنتاج المعامل الحديثة".
ومهنة الندافة او كما يطلق عليها في في لبنان "التنجيد العربي " وربما لها تسميات اخرى في بلادنا العربية من المهن اليدوية القديمة التي توارثها الابناء جيلا بعد جيل و شهدت هذه المهنة عصرا ذهبيا في العقود الماضية وظلت كذلك حتى ظهور صناعة المفروشات الحديثة وتطورها وسهولة الحصول عليها رغم الكلفة المادية الكبيرة التي تفوق بكثير اعادة تأهيل الفرش والألحفة او اللحف ".
واشتهرت مهنة الندافة حيث كانت تعتبر حرفة مهمة بين الصناعات اليدوية ، وفيه كان يحتشد الناس من كل الطبقات الإجتماعية لإختيار ما يناسبهم من فرش وألحفة ووسادات أو لإعادة تأهيلها، لأن وجود هذه المفروشات الشعبية ضرورة لا بد منها ولا غنى عنها لدى شرائح من المجتمع ".
ولمعرفة ما يدور في ذهن اصحاب هذه الحرفة او هذه المهنة من مفرداتها ومعوقات العمل فيها ومعاناة من يمتهنها التقت وكالة انباء / نينا / عددا من هؤلاء فقد قال الحاج ابو باسم / 70 عاما / صاحب محل للندافة في احد مجمعات الحرف اليدوية في منطقة زيونة عملي في هذه المهنة مستمر لاكثر من / 25 / عام وهذه المهنة في طريقها الى الإندثار، لان المفروشات الحديثة سرقت الأضواء منها ، اما الندافة فإن كثيرا من الأجيال لا تعرف عنها شيئا ولا عن مكانتها في حياة الناس وخصوصا لدى أبناء الريف ".
ومع دخول البضائع المستوردة، من المفروشات والأقمشة، لا سيما التركية والإيرانية والصينية، التي غطت احتياجات السوق، صار الطلب للمنتجات المحلية أقل كثيراً مما كان عليه في السابق".
واوضح ان الصعوبة في مهنة الندافة أنها تحتاج الى القوة والصبر في العمل، لكنها تسبب الكثير من الأمراض والأوجاع في الظهر والركبتين والرئتين بسبب الغبار الكثيف الذي يتصاعد من القطن أو الصوف عند ندفه وضربه بقضيب من الخيزران القوي".
واضاف :" بالرغم من توجه اعداد من الناس الى شراء المستورد من الفرش والاغطية الا ان المنتج المحلي له زبائنه الذين يحرصون على اقنائه مهما كانت كلفته عالية وذلك لاسباب مختلفة منها صحية لان المنتج المحلي يستخدم في صناعته القطن الزراعي المريح البارد صيفا والدافئ شتاءا بدلا من الاسفنج كما تستخدم اقمشة الكتان لتغليفه وقبلها الغلاف الداخلي من القماش الابيض / الشلتة/ وكلاهما منتج زراعي وله مواصفات القطن في الصيف والشتاء".
وتابع والحديث ما زال للحاج ابو باسم:" ان احد الاسباب الاخرى بتفضيل المنتج المحلي هو امكانية اعادة تجديده من قبل النداف وتحمله للضغط عكس المستورد الذي يدخل الاسفجنج في صناعته فاستخدامه واحد ويهمل بعد استهلاكه".
وقال:"ان تكاليف المنتج المحلي ارتفعت نتيجة شحة القطن المادة الرئيسية في عملنا نتيجة تراجع زراعته في بلدنا واعتمادنا على المستورد كما ان المواد الاخرى ارتفعت اسعارها ايضا كالقماش ولوازم الخياطة وامور اخرى تتعلق بادامة محال الندافة وايجاره واعتمادنا على الماكنة المصنعة محليا التي تقوم بعملية ندف القطن الجديد والقديم / نفشه / وتخليصه من الشوائب ايضا وهذه الماكنة احتلت مكان القوس والجل التي كان يستخدمها النداف سابقا وبالتاكيد هي اسرع انتاجا وتوفر الجهد للنادف ايضا".
وبين"ان سوق الغزل كان المركز الرئيس للندافين والمعامل استلام القطن من المزارعين منتشرة منها في بغداد الجديدة حيث محلج القطن الكبير واخر في منطقة العبيدي’, مشيرا الى ان القوس والجك / المدقة / والوتر وهو عصا من الخيزران القوي والشمع والخيط، الإبرة والكشتبان والميزان".
واضاف:"ومع تطور الحياة اعتمد النداف على استخدام الماكنة في عملية الندف / لنشر القطن / وماكنة الخياطة والقطن الجديد الذي يتم شرائه على شكل بالات كبيرة والاقمشة المستوردة لكن الحرص مستمر على شراء الانواع الجيدة من القطن والاقمشة وبما يتلائم مع طلبات الزبائن/ المعاميل/ ".
واشار" الى ان المناطق الجنوبية والوسطى يفضلون القطن في فرش المنام / الدوشك/ وكذلك في الحاف ايضا اما المناطق الغربية من العراق فيفضل الزبون هناك الصوف بدلا من القطن بالرغم من ثقله".
ووصف الحاج ابو باسم" اصرار الاسطوات على مواصلة العمل بالحرف اليدوية هو جزء من ثقافة العمل في المجتمع الذي يعتبره صاحب المهنة جزء مكمل للشخصية التي تحترم هذه المهنة التي توارثها البعض جيلا بعد جيل".
كما وصف مهنة الندافة علامة من علامات الافراح حيث تحرص عدد من الامهات على ان يكون تجهيز العرسان بالاغطية والفرش من الندافة الجديدة حيث يجلبن النداف داخل المنزل ليقوم بهذه المهمة وهو عرف توارثته العوائل منذ عقود".
وذكر" ان اسعار العمل والبيع بالنسبة للمنتج المحلي تتفاوت وبحسب طلب الزبون بكمية القطن ونوع القماش وشكله وهناك انواع مختلفة لبعض اللحف والفرش / الدوشك/ الذ يسمى المندر وهناك ايضا انواع مختلفة من الوسائد الدائرية الطويلة التي تسمى اللولة وهي للعرسان الجدد وكذلك اللحاف ابو الصرة الملون وغيرها من تسميات الموروث الشعبي".
من جهته وصف ابو عباس صاحب محل ندافة في منطقة الغدير " مهنة الندافة التي تعتمد على عدة الندافة القديمة من القوس والجك / المدقة / والعصا فهي في طريقها الى الاندثار لان ندافة اليوم تعتمد على الماكنة محلية الصنع وهي من صناعة المرحوم ابو علي التي تفوقت على المستوردة , مضيفا لكن الندافة لا زالت تعتمد على مهارة وتفنن النداف في خطوات تعتمد على عمله اليدوي منها خياطة الطرف الحر لوجه فراش المنام / الدوشك / واستخدام الحبل لبعض الفرش حيث يسمى دوشك ابو الحبل لتصبح له حافة قوية وكذلك خياطة اللحاف والتفنن بتطريزه وبحسب الطلب ابو الصرة وغيره وهذا يختتم بعمل يدوي ايضا".
وقال:" نحن عائلة معروفة في منطقة الكرادة بهذه المهنة واول من عمل بها هو جد ابي قبل اكثر من / 100 / عام وتعلمها من الايرانيين وقد توارثناها من جد والدي حيث تواصلت العائلة معها وعمومتي يعملون ليومنا هذا بمهنة الندافة التي تعتز بها كونها مصدر رزقنا".
واضاف:"بالرغم من كثرة المستورد من الاغطية والفرش لكن لنا معاميلنا / الزبائن / الذين يحرصون على اقتناء المنتج المحلي بالرغم من فرق الاسعار مع التزكام ومعناه العمل بحسب الطلبات كما يطلق على المنتج المحلي وهو الذي يعتبره المتبضع مريح و مقاوم للزمن ويختلف عن السوقي كما يطلق على المستورد في اللغة الدارجة ".
وتابع :"ان عدد من المتبضعين قد عادوا الى اقتناء المنتج محليا بعد تجربة المستورد الجاهز الذي تستخدم به انواع من البولستر خاصة في فرش المنام والجلوس حيث يكون حار صيفا وبارد شتاءا وهذا ما لمسنا في تزايد الطلب في بعض الاحيان ومن زبائننا الذين عللوا ذلك بشعورهم بالراحة مع المنتح المحلي الذي تعودت عليه الاسر منذ القدم ايام عدم وجود المنتجات المستودرة وربما لم نسمع بها ايضا".
واوضح"ان العديد من الاسر لازالت تحرص على دعوة النداف داخل باحة المنزل في اوقات مختلفة من الزمن لتجديد فرشها وبطريقة الندافة القديمة وتوكد على استخدام المواد الجيدة في عملية الندف".
واشار" الى ان طلبات الزبائن تختلف بحسب رغبتهم في الحصول على منتجنا فمثلا فراش المنام / الدوشك / ابو النفر الواحد متعارف عليه ان يكون طوله مترين و / 10 / سم وعرضه متر واحد ويحتاج الى / 8 / كغم / من القطن الذي يعبأ في غلاف / وجه / اولي يسمى الشلتة وبعده الغلاف الخارجي الملون وبحسب طلب الزبون وهناك المندر او فراش المنام / الدوشك / ابو النفرين الذي يحتاج الى / 25 / كغم من القطن وكذلك عمل الجودليات / فراش خاص للجلوس/ باحجام مختلفة , مضيفا ان القطن العراقي افضل من القطن المستورد التركي والايراني والسوري بعد تجربتنا لذلك , اما القطن المصري فهو قطن ممتاز ولم يتم استيراده لارتفاع اسعاره".
اما الحاجة ام ماجد / 81 عاما / فتؤكد اصراها على استخدام المنتج المحلي من الفرش والاغطية لشعورها بالراحة من الناحية الصحية لهذا المنتج مع استخدامها طوال سنوات عمرها كما تؤكد ان الامر له تاثير نفسي على الانسان بالتزامه مع نمط في الحياة بتبضع ما هو مجرب له".
وفضلت ام احمد / 48 عاما / المستورد من الاغطية والفرش المختلفة للمنام والجلوس ايضا على المنتج المحلي وعللت ذلك بسرعة الحصول على طلبها وانخفاض اسعاره لوجود محال كثيرة وبكميات كبيرة منه في السوق ما يخلق منافسة في العرض لها اثر على حصول المتبضع باسعار منخفضة "./انتهى2
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام