*تعايش سلمي*
النائبة سميرة الموسوي طالبت بإعداد ستراتيجية لتنقية المجتمع من الموروثات والمستحدثات الفكرية المعيقة للوحدة الوطنية التي من شأنها اضعاف وزعزعة التعايش السلمي ، مشيرة الى ضرورة قيام الحكومة والجهات المتخصصة والشخصيات من ذوي الخبرة باعداد ستراتيجية وطنية على أن يكون الاعداد والتنفيذ متماشيا مع سرعة المتغيرات الوطنية والاقليمية والدولية...
أما النائب احمد الجبوري فيرى ان الحرص على الأمن الوطني العراقي وعدم تعكير النصر الكبير الذي صنع بدماء الشهداء وتوجيهات المرجعية الدينية تستدعي ملاحقة مثيري الخطاب الطائفي التحريضي وتطبيق القوانين بحقهم والقاء القبض عليهم لايقاف هذا الخطاب الذي بدأ يتصاعد مؤخرا ..
من جهتها ، قالت عضو لجنة الثقافة والاعلام النيابية سروة عبد الواحد ان مجموعة من الاكاديميين والاعلاميين والصحفيين اطلقوا بالتنسيق مع لجنة الثقافة والاعلام النيابية مشروعا لتجفيف منابع التطرف والتعصب عبر تفعيل دور وسائل الاعلام في صناعة الاعتدال وتجفيف منابع التطرف سواء كان دينيا او مذهبيا او مناطقيا او فكريا ، مشيرة الى دور الشباب ايجاد خارطة عمل مشتركة واتفاق واضح بين وسائل الاعلام لمنع انتشار المواد الاعلامية التي تحمل في طياتها رسائل تشيع التطرف والتعصب اذ ان من اهم وسائل مكافحة التطرف هي القبول بالرأي الآخر وتعزيز الحريات في البلاد والسعي الى نشر ثقافة الاعتدال ونبذ ثقافة رفض الآخر لأن تنامي التطرف يعني تهديد التعايش السلمي في المجتمع العراقي وارباك المواطنة التي نحن بأمس الحاجة اليها لمواجهة الفكر الداعشي بين شريحة الشباب...
بدوره، وجّه مجلس الوزراء الدائرة القانونية في الأمانة العامة بتقديم مشروع قانون لتجريم التحريض الطائفي والعنصري وخطاب الكراهية بهدف السيطرة على بث الخطاب الطائفي عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي مؤسسات الدولة كافة ..
*ترسانة فكرية *
الانسان بطبيعته مجبول على المحبة والكراهية – كما يرى الكاتب والاعلامي صباح زنكنه – وكلما كانت مساحة الثقة لديه كبيرة ، كانت مساحة المحبة واسعة ، وكلما كبرت مساحة الكراهية فيعني انعدام عنصر الثقة لديه واهتزاز شخصيته ، فالذين يختارون كراهية الحياة والمجتمع يكونون طعما سهلا للاصطياد من قبل الارهابيين والدواعش على اعتبار انهم لايحبذون الاندماج مع المجتمع ويميلون الى الانعزال فضلا عن انهم يحاولون باستمرار تبرير مايفعلونه، وأحد ملامح تلك التبريرات انهم يجعلون الأطر الدينية وبعض الروايات غير الصحيحة جزءا من المتبنيات التي يستطيعون من خلالها قتل البشر وتكفيرهم او تهجيرهم، لذا فإن عملية ايقاف الكراهية ليست مستحيلة لكنها صعبة ومعقدة بسبب البنية الفكرية لدى البعض، فمنهم من نشأ في عائلة تتعاطى لغة الكراهية أساسا ، وهناك من يدفعه ماتعلمه في المدارس والجامعات ومن بطون الكتب ليسلك مثل هذا السلوك اضافة الى تأثير الاصدقاء والاقران ..
من هنا ، يرى زنكنه ان وضع القوانين الصارمة كالاعدام والسجن لهؤلاء ضرورية لأنهم كالذئاب المفترسة ولابد من عزلهم عن المجتمع ، أما الآخرون الذين يمكن معالجتهم فلابد من دمجهم بالمجتمع وتعليمهم معنى السلم والتعايش المجتمعي ليتمكنوا من التعاطي مع الحياة .
ويشير زنكنة الى قضية تاثير المناهج والمدارس الدينية فمن الضروري مراجعتها في العراق طالما توجه الى التكفير لأنها تعتبر البنية التحتية للخراب الفكري لدى البعض ، وهناك نقطة مهمة اخرى وهي البطالة التي تدفع المرء احيانا الى ممارسة اعمال مهينة تخلق منه شخصية قلقة أو كارهة للمجتمع وقد يتوجه العاطل عن العمل الى السرقة او القتل ويصيح من السهل شرائه من قبل عصابات الجريمة المنظمة او العصابات الارهابية التي تدفعه الى ارتكاب ابشع الجرائم ، وهذه بمجملها افرازات طبيعية للخلافات السياسية لأن ضعف المجتمع السياسي يجعل القبض على دفة الدولة عسيرا وبالتالي تحصل انهيارات اخلاقية وفكرية ، لذا يكمن الحل في ايجاد فرص عمل للشباب تحميهم من الانقياد نحو الهاوية.
ويعترف الكاتب والاعلامي عباس عبود بأننا مجتمع تجذرت فيه الكراهية كظاهرة اجتماعية رسختها سنوات الازمات والحروب الى ان تحولت الى طابع سياسي تناغم مع التطرف المذهبي الذي هو في الاساسا تنوع طبيعي لشعب عريق الجذور ..وتتطلب مواجهة الكراهية – كما يرى عبود – برامج طموحة تشجع الفن والرياضة وتدعم المسرح والسينما والاهتمام بالمشاركات والهوية العراقية ، اما صناعة بيئة تقوم على الشك والتنافر فلايؤدي الا الى تعزيز الكراهية وتنفير الناس من بعضهم البعض .
اما الاكاديمية الدكتورة فاطمة سلومي المتخصصة في مجال الاعلام فتعتقد اننا لمسنا شيوع خطاب الكراهية بعد عام 2003 اذ استخدمه العديد من السياسيين لاقصاء الآخر بشكل ممنهج واسهمت في ذلك وسائل الاعلام ولم يعد المتلقي يفرق بين المؤيد والمعارض والصالح والطالح ماانعكس على مكونات المجتمع المختلفة واصبح العنف وسيلة للتعبير عن هذا الخطاب عبر القتل والتهجير ، وصار من الضروري الآن مواجهته من خلال وضع القوانين الصارمة والتأكيد على احترام ثقافة الآخر وتعزيز حرية الرأي والتعبير ونشر ثقافة التسامح في اطار خلق خطاب معتدل يتصف بالوسطية، فضلا عن السعي الى استخدام خطاب ديني بعيد عن التعصب وحث وسائل الاعلام على نشر الخطاب المعتدل لأنها تمثل اداة رئيسية لتعزيز الفكر العقلاني البعيد عن التطرف والذي نحتاجه تحديدا في مرحلة مابعد داعش في العراق .
من جانبه ، يرى ضياء الوكيل الخبير في شؤون الأمن والدفاع ان الحرب وحدها لاتكفي لمواجهة ظاهرة الغلو والتشدد التي تتهم الاخر بالتكفير والردة والشرك بالله والتي تسببت في تعميق الانقسام والفرقة بين المذاهب الاسلامية ، فقد تحقق المعارك نصرا ، لكنها لاتصنع السلام لوحدها لأن الحرب تدمر الماكنة العسكرية للعدو ، اما الخطر الحقيقي فيكمن في الترسانة الفكرية التي تقيم في عقول السذج من المتأثرين والمخدوعين بالتسويق المضلل للتنظيمات المتطرفة مايستدعي وضع مسارات موازية للعمليات العسكرية على الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية لمواجهة التحدي القادم والخطر المحدق بالمستقبل.
ويقترح الوكيل وضع معالجات مدروسة والتأسيس لخطاب معتدل يساهم في تجسير الهوة ورأب الصدع ويبتعد بالاجواء المحتقنة عن كل مايثير الفتنة والكراهية بين المسلمين وبما يشيع قيم التسامح والمحبة والعيش المشترك واحترام التعددية وحقوق وكرامة وحرية الانسان بغض النظر عن طائفته وانتمائه ومايعتقد به على الصعيد الشخصي .. وهذا المشروع يتطلب التعاون مع الدول الاسلامية بمساعدة دولية فاعلة وبمشاركة الامم المتحدة وخبرائها ومنظماتها المعنية ، ولايعفي ذلك من الاهتمام بالبيئة البائسة التي خلفتها الحرب وفي مقدمتها الضحايا المدنيين والايتام والارامل والدمار الذي لحق بالمناطق المحررة وحالة الفقر والمرض والعجز والنزوح وفقدان الامل ، وهذه تمثل ازمة لاتقل خطورة عن ظاهرة التشدد لأنها تشكل بيئة مناسبة لنمو التطرف مستقبلا وتحويل ماهو سلبي الى ارهابي في أي وقت .
ويرى الاعلامي محمد الفيصل ان وجود تنظيم داعش وتوغله بامتداد الجغرافية الاقليمية لم يكن مشروعا محليا فحسب ، بل هو أداة من ادوات الغرف السرية في واشنطن وتل أبيب لما سمي بالربيع العربي الذي تحول الى خريف تساقطت فيه كل الاوراق !!..وتختلف تجربة وجود التنظيم في العراق عن نظيراتها في الساحات الاخرى – حسب الفيصل – والخلاص منها صعب التحقيق لوجود دعم دولي وتوافق سياسي وشعبي كان السبب في تحقيق الانتصار العسكري على الدواعش ، كما ان للتنظيم حواضن اجتماعية وجغرافية في بعض المناطق وهذا ماتثبته اعداد القيادات والمقاتلين هناك اذ يمثل العراقيون مانسبته 75% منهم ، لذا يصعب احتواء وتاهيل عوائل اولئك المقاتلين لتامين عودتهم لممارسة حياتهم بصورة طبيعية، ومن جهة أخرى ، تواجه الحكومة أزمات عدة قد تسرق نشوة النصر كتاثير بعض الاحزاب وزيادة عمليات الخطف والقتل المنظم والتي اعطت المواطن انطباعا بضعف الحكومة عن مواجهة تلك العصابات التي تتخفى خلف بعض الفصائل مع غياب الرؤية الوطنية لدى البعض وتغليب المصالح الكتلوية او الطائفية عند البعض الآخر ناهيك عن استخدام هذا التنظيم كورقة ضغط لبعض الاطراف التي لازالت تشكو وتزعم المظلومية في ادارة المؤسسات الامنية ..
وإذن ، فالخلاص من داعش عسكريا وفكريا وحتى وجوديا يحتاج الى جهد كبير تتحمله جميع القوى الفاعلة بمختلف مسمياتها بدءا من الخطاب الديني وضرورة تشذيبه من العوالق التاريخية وكذلك المنابر الاعلامية التي يعمل بعضها على الترويج للخطاب الطائفي خدمة لاجندة ومصالح اقليمية او دولية لبقاء العراق في خانة الدول التي تعاني من ازمات متناسلة ./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام