وبعد عام 2003 ، تزايد عدد الصحف والمجلات الصادرة في العراق بشكل غير مسبوق بسبب مساحة الحرية الممنوحة للشعب وظهور كتل واحزاب متعددة حاولت التعبير عن توجهاتها من خلال اصدار صحف خاصة بها فضلا عن صدور صحف مستقلة واخرى تابعة لمؤسسات حكومية او خاصة ،لكن دخول الانترنت الى العراق وتزايد اهتمام الناس بمتابعته ثم انتشار الصحافة الالكترونية بدأ ينافس الصحافة الورقية ، فهل ادى ذلك الى تراجعها وانحسار تاثيرها على القراء ...
كلنا صحفيون
حسن مهدي / صاحب مكتبة كانت مخصصة لبيع الصحف يتحسرعلى زمن ازدهار الصحافة الورقية فهو يبيع الصحف منذ مايقارب الثلاثين عاما وكان يستمتع سابقا ببيع الصحف بكثرة ومناقشة اخبارها مع مدمني قراءتها والاحتفاظ باعداد كبيرة منها للمشتركين فيها اذ كان القراء يقرأون الصحيفة كلها ويتفاعلون مع اخبارها ومواضيعها اما اليوم فالصحف الورقية لاتجد قبولا –كما يرى مهدي – ومن يتوقف امام المكتبة ربما يكتفي احيانا بتصفح جريدة ما او قراءة العناوين الرئيسية في الصحف دون شرائها ...
اكرام غريب / موظفة في وزارة الثقافة تعتبر دخول الانترنت الى حياتنا نقطة في صالحنا فقد هيأ لنا سهولة التواصل مع العالم ومهد لنا الطريق لتطوير معارفنا في زمن تضاءلت فيه الرغبة في المطالعة ، لكنها تشعر بالامتنان للصحف الورقية لأنها كانت تجتذب الجميع ويجدون فيها كل ماهو مفيد ومنوع كما انها طقس جميل كان يرافق فنجان الشاي الصباحي في الدوائر وتجري بعده نقاشات تتناول آخر الاخبارالتي تتداولها الصحف وفي جميع المجالات .. في الوقت الذي تؤكد فيه مروة ابراهيم /طالبة في كلية الاعلام ان وسائل التواصل الاجتماعي حولت اغلب مستخدميها الى صحفيين واعلاميين فالكل ينشر منشورات انتقادية وابداعية ويتلقى عنها تقييما من القراء والبعض يعبر عن مواهب ربما كان يعجز عن ايصالها في السابق الى الصحف ككتابة الشعر والقصة والمقالات ...وهكذا فهي تعتبر الصحافة الالكترونية اكثر تداولا واعمق تاثيرا في المتلقي ..
سرعة واختصار
الصحفي صادق فرج التميمي يعزو اسباب تراجع الصحافة الورقية في العراق الى توقف الدعم المالي المقدم لمالكيها اذ تتلقى دعمها من دول واحزاب اجنبية ، وهو ماادى الى تقلص او غلق العديد من الصحف وتقلص عددها الى نحو (20) صحيفة تصدر بشكل منتظم او بشكل متعثر بين فترة واخرى ..كما ان قلة الموارد المالية الداخلة في حساب هذه الصحف الورقية والتي يتم تحصيلها من اعلانات حكومية او تجارية صارت هي الاخرى سببا قد يؤدي الى اغلاق بعضها على خلفية الازمة والضائقة المالية التي يمر بها العراق بسبب ظروفه السياسية المعقدة ..ولايظن التميمي ان العدد المتبقي من هذه الصحف خصوصا التي تعتمد جوانب الاعلان الحكومي والاعلان التجاري ستستمر بالصدور الى امد طويل.
من جهته ، يرى الكاتب والصحفي عبد الستار البيضاني ان انسحاب الصحافة الورقية امام الصحافة الالكترونية يبدو شيئا طبيعيا ، فهناك ايقاع الحياة السريع الذي جعل الزمن يضيق في يوميات الانسان فينزع الى السرعة والاختصار ، وهذا مايمكن ان يوفره له الاعلام المرئي الفضائي بشكل خاص، اذ صار بامكانه ان يشاهد فيلما سينمائيا او اغنية ويقرأ في الوقت نفسه احدث الاخبار في شريط اخباري في اسفل الشاشة منتظرا التفاصيل في النشرة المفصلة ودون ان يختلي بنفسه ليطالع الاخبار في الصحيفة ، مايعني –حسب المصطلح الاعلامي – ان اخبارالصحف الورقية اصبحت (محروقة ) امام سرعة تدفق الاخبار في الاعلام المرئي الالكتروني وغياب ماكان يعرف في سنوات الستينات والسبعينات ب( الطبعات المسائية من الصحف ) ....
ويشير البيضاني الى ان الاعلام الالكتروني والمرئي اتاح لنا تعدد المصادر فلم يعد (محرر الديسك ) هو الذي يتحكم بمصادر الاخبار فيسمح او لايسمح لنا بقراءة خبر ما بل ساهم انتشار الهواتف النقالة في تحلو المتلقي الى صحفي هو الآخر حيث يقوم بتصور ونشر الاخبار من موقعه عبر مواقع التواصل الاجتماعي ...اما في الجانب المهني فيرى البيضاني ان الاعلام الالكتروني يتيح لنا التفاعل المباشر مع المتلقين والذي كان محصورا سابقا برسائل القراء مؤكدا رغم ذلك على ان لرائحة الصحف الورقية خصوصية حين نطالع الاخبار من خلالها.
ربما تحتضر الصحافة الورقية اذن مادامت منابع تمويلها من احزاب وشخصيات سياسية تحتضرايضا بين انتخابات واخرى فتغلق صحفها تبعا لذلك كما يرى الكاتب والصحفي عرفان الداوودي مؤكدا على الدور الذي تؤديه الصحف الورقية في نقل المعلومة الرصينة والاصيلة اذ تبقى الوسيلة الكلاسيكية التي تدفع القاريء الى التعمق في الحدث بينما يمكنه من خلال الوسائل الالكترونية الحصول على المعلومة بسرعة لكنها قد تفتقر الى الدقة والمصداقية.
نجد اذن العديد من الاراء التي تقف الى جانب الصحافة الورقية وترفض اندثارها لكن الانحياز لها ليس كافيا بل يجب ان يقوم كل عامل في هذا المجال بالتفوق على ذاته كما ترى الصحفية رجاء داود لينافس تسارع الاحداث في الصحافة الالكترونية ويمكن ان يتحقق ذلك بالاقتراب من هموم الناس ومعاناتهم ، كما يتطلب الامر الاهتمام بالمطبوعات الورقية عبر تسهيل عملية تمويلها التي توقفت او تراجعت بعد اقتصار نشر الاعلانات على الصحيفة الرئيسية التابعة لشبكة الاعلام العراقي فلا يجب ان نغفل قدرة هذه الصحف على احتضان العديد من الاقلام الصحفية الرائدة منها والشابة والتي انتقلت مؤخرا الى خانة (البطالة ) ./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام