صوت عذب لمطربة في الثلاثينات من العمر قادمة من ارض الكنانة ، مصر جاء لينثر سحره بين اهل بغداد اصحاب الذوق الرفيع في الطرب ..
الانسة /ام كلثوم/ .. او كوكب الشرق كما لقبت ، التي حطت رحالها في عاصمة الرشيد بقيت حاضرة في (سوق هرج) باسطوانات (الغرامافون) التي كانت وسيلة التواصل الطربية الوحيدة ، وما تزال بقاياها حتى اليوم في هذا السوق العتيد.
وسوق هرج معروف ببيع الأدوات المستعملة والأغراض القديمة جداً والتي تكون ذات قيمة تاريخية أثرية ، وقد تجد فيه كل نادر وغريب وما لا تجده في غيره من الأسواق ، كما يحتوي الكثير من التحف الفنية الراقية.
ويعتبر هذا السوق من معالم مدينة بغداد ، حيث كان في مكانهِ مسجد تاريخي يعرف بجامع القبلانية ، أندرس اثرهُ ولم يبق من الجامع سوى الحجرة المطلة على سوق المغازجية والتي تضم رفاتين من علماء بغداد هما الإمام أحمد القدوري المتوفي عام 428هـ ، صاحب كتاب (نور الأيضاح) ، وهو كتاب في الفقه الحنفي ، والإمام محمد الوتري صاحب القصائد الوترية.
يرجع تأريخ بناء هذا السوق إلى عهد الدولة العثمانية حيث شق الوالي العثماني ناظم باشا شارعاً سمي بأسم شارع ( خليل باشا جاده سي ) على أسم خليل باشا والي بغداد عام 1910، ثم سمي بأسم شارع الرشيد ، وسمي السوق بأسم سوق الميدان وهي التسمية العربية القديمة لهُ ، وأقدم من التسمية التركية (سوق هرج) ، والتي تعني الفوضى وعدم النظام.
وتؤكد الغالبية من مؤرخي بغداد أن تاريخ هذه السوق يعود إلى نهايات العصر العباسي ، لا سيما أنها قريبة من القصر العباسي ومن قصر إحدى زوجات هارون الرشيد (أم هانئ) الذي كان الملك فيصل الأول قد اتخذه قصرا له ومن ثم تحول إلى (قصر الثقافة والفنون).
وتخترق السوق أزقة فيها دور للمطابع وبيوت للخشب في محلة الحيدرخانة ، وتبدأ معالم السوق من جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد من جهتهِ الشمالية حيث المقاهي البغدادية التاريخية القديمة وسوق السراي المتخصص في بيع الكتب ، لغاية مطابع الصحف والجرائد العراقية القديمة كصحيفة الأحرار والبلاد وحبزبوز والزمان وغيرها.
وبعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 تعرض السوق لاعمال تخريب وهجمات منوعة لكنهُ صمد وما زال لهً روادهُ ، وبقي يبيع التحف الثمينة إضافة للملابس والأغطية والفرش والأحذية ، بينما ظهرت أسواق الأخرى على نفس شاكلته تبيع القديم من السلع في منطقة الباب الشرقي.
وعندما تحتاج إلى أي شيء ، بدءا بالإبرة مرورا بكل مستلزمات المنزل والبناء وأكثر الأجهزة الإلكترونية تعقيدا وحتى الأعمال الفنية والأنتيكات ، فلا بد من أن تتجه إلى سوق هرج.
ولا يشترط أن يكون الداخل لهذه السوق لأغراض البحث عما يبتغيه من حاجة لم ولن يجدها في مكان آخر ، بل إن المرور بسوق هرج ، دخولا من شارع الرشيد وخروجا من جهة الميدان ، يشكل متعة حقيقية.
فالتجوال بين كل ما هو مستعمل من أجهزة راديو وتلفزيون وغرامافون وأجهزة تسجيل صوتي وكاميرات وعارضات أفلام سينمائية قديمة ، وقطع أثاث تحولت إلى أنتيكات ولوحات فنية ومنحوتات ومكائن خياطة بيتية ولوازم بناء وغيرها من الأغراض القديمة والمستعملة ، سوف يجبر أي شخص هناك على التوقف والتأمل .. ومن ثم الشراء.
وعلى الرغم من غالبية أسواق بغداد التراثية اختفت معالمها أو وظائفها ، مثل سوق الصفافير أو أسواق شارع الرشيد ، فإن سوق هرج بقي متمسكا بطبيعته وبطبيعة المواد التي يتداولها.
ولن يتفاجأ المتجول في سوق هرج وهو يرى أجهزة راديو قديمة يعود تاريخ صناعتها إلى نهاية الثلاثينات أو الأربعينات من القرن الماضي وتحمل علامات (باي) و(فيليبس) وغيرهما من العلامات التجارية التي كانت أو ما زالت شائعة.
في هذا السوق يستطيع المرء أن يشتري قطعة مفقودة لسيارته لن يجدها لدى وكلاء البيع في أرقى محال المدينة ، كما يمكنك أن تغير ملامحك وملابسك ببضعة الاف من الدنانير.
ستجد من يعيد إصلاح العود ومن يبيع أقدم الأسطوانات التي تحمل صوت قارئ المقام حسن خيوكه ورشيد القندرجي وصديقة الملاية وزكية جورج ، فيما تباع في هذا السوق اللوحات العالمية الفاخرة إلى جانب أنواع من الألبسة التي تعيدك إلى فترات قديمة من تاريخ مدينة بغداد.
وتؤكد روايات كبار السن ممن عاصروا العصر الذهبي لسوق هرج ، ان السوق ازدهر في سنوات العهد الملكي (1921 - 1958) عندما كان يؤمه البغداديون فضلاً عن القادمين الى بغداد من كل أنحاء العراق لكونه السوق الوحيد الكبير في بغداد الذي يحتوي على كل انواع البضائع ، خصوصاً في ما يتعلق بالملابس والأجهزة الكهربائية والتحف القديمة ، وغير ذلك .
وتشير تلك الروايات ان البعض كان يبيع وبشكل سري في هذا السوق بعض انواع الأسلحة منها ما يرتبط بمظاهر الزينة كالمسدسات القديمة (ابو البكرة) وكذلك بعض الأسلحة المنقرضة الى جانب الأسلحة والآلات الحديثة التي أصبحت اقرب الى (تحفيات الزينة) منها الى سابق عهدها .
وما زال سوق هرج في بغداد يحفل بالعجيب من السلع الثمينة والبضاعة البخسة، من التحف القديمة إلى المواد المنزلية والكهربائية، والساعات والأحذية، والخردة والطيور والمسابح والدراجات، إلى الصور التاريخية والملابس، كل ذلك يعكس المراحل الزمنية التي مرّ بها العراق عبر التاريخ.
ومما يذكر عن هذا السوق ان الكثير من الشخصيات الأجنبية كانت تزوره ومنها السفير الروسي في تسعينيات القرن الماضي وسفير الإمارات وسفير اليونان.
ورغم التحولات الاقتصادية السريعة والتطور الهائل في الوضع العراقي الا ان هذا السوق بقي محافظاً على معالمه وهويته فالكثير من اصحاب المهن القديمة باقون ولم يفكروا في تغيير مهنهم رغم الكساد الواضح في عملهم.
ويبقى سوق هرج .. يحمل عبق بغداد القديمة .. باهلها وشواهدها تحكي قصصا لحياة كانت زاخرة .. قبل ان يلقى الاهمال والخراب بعد الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام