ولا تستطيع الأحداث مهما بلغت ان تمحو أواصر تلك المحبة بين الوجوه المتطلعة لعراق خال من العنف والطائفية وكل الاشكال التي قد تعكر صفو محبتهم.
ويقول الباحث في التراث عبد المحسن العقبي في حديث للوكالة الوطنية العراقية للأنباء/nina/ " إن عيد الربيع هو بالأصل نهاية فصل الشتاء وبداية فصل الربيع حيث الأشجار والأزهار والخضرة الدائمة وخاصة في مناطق الطيب والشيب ومناطق أخرى ويعد يوما من أيام السنة الجديدة تحتفل فيه الطوائف الدينية عربا وأكرادا وأما عن عيد الشجرة فهناك مشروع لغرس الأشجار والورود والزينة في كافة المناطق لتزدهر بها محافظة ميسان".
وأضاف:" ان هذه المناسبة تتخذ عدة تسميات فان الأكراد يسمونه عيد نوروز والعرب تسميه عيد الربيع او /عيد الشجرة/وان العوائل تلتقي دون طائفية وهي تتسامر وتتبادل الحديث في ما بينها والأبهى من ذلك انها تجلس على طاولة طعام واحدة في الحدائق والمتنزهات وتقضي وقتا من البهجة والسرور".
وتابع العقبي:" ليس هناك من مناسبة تجمع شعوبا ذات مشارب وثقافات مختلفة حول معاني إنسانية قائمة على المحبة والتآخي والخير مثل الاحتفال بعيد نوروز الذي يعد عيدا مشتركا لشعوب عديدة تختلف في اللغة والعرق والمذهب في دول آسيا وأفريقيا ودول البلقان في عالمنا اليوم .حيث تتحد هذه الشعوب في الاحتفال بهذه المناسبة باعتبارها عيدا للربيع والخصب أو بداية لعام جديد حسب تقاويمها التاريخية مشيرا الى ان الوثائق التاريخية تحدثنا:" ان العراقيين ظلوا يحتفلون بعيد الربيع (نوروز) في سومر وبابل وفي نينوى لقرون طويلة حتى سقوط بابل على يد الفرس (539 ق.م) وقد اقتبس الفرس هذا العيد مع ما اقتبسوه من ميراث الحضارة العراقية العريقة من كتابة ولغة وعلوم وفنون ومعتقدات دينية.ومن ضمنها العيد العراقي الذي أطلقوا عليه في لغتهم اسم (نوروز) والذي بدأوا يحتفلون به حسب السنة البابلية الذي كان يبدأ في 21 آذار (مارس) . وسماه السومريون (زكموك) والبابليون والآشوريون (أكيتو ) أي عيد رأس السنة .
وتابع بالقول:" ان هذا اليوم كان الكاهن الأعظم يصلي للآلهة مردوخ ويقوم الكهنة الآخرون بالطقوس الدينية الأخرى لأيام متتالية وفي اليوم الأخير تتم تلاوة أسطورة الخليقة وتقدم الصلوات والقرابين في اليوم الخامس .كما كان الملك يقدم تقريرا عن إنجازاته في السنة المنصرمة ،ويطلب من الإله مردوخ المغفرة لذنوبه وآثامه .وفي المساء يذبح ثور أبيض . وفي اليوم السادس تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث يتم إحراق دمى ملونة بعد الانتهاء من المراسيم الرسمية .وفي اليوم العاشر يتم الاعتراف بشرعية حكم الملك من قبل الإله مردوخ وكانت المواكب التي تحمل تماثيل الآلهة تعود إلى بابل عبر الطرق البرية ولهذا أمر الملك نبوخذنصر ببناء شارع الموكب الذي كان يمتد من دار العيد إلى باب عشتار".
واوضح العقبي "ان تقاليد الاحتفال بهذا العيد انتقلت إلى سوريا مع انتقال الميراث السومري إلى الساميين ومنها على سبيل المثال لا الحصر عبادة (تموز) أو أدونيس مع عشتار مبينا ان تاثير هذا العيد لا يقتصر عند هذا الحد بل يظهر أيضا بشكل واضح في الاحتفال بعيد الفصح المسيحي الذي يعتبره المسيحيون عيد القيامة ،أي عودة السيد المسيح إلى الحياة بعد صلبه تماما مثل احتفال العراقيين بقيامة (تموز) وعودته إلى الحياة لتعود معه الربيع والخصب .
واضاف ان العباسيين اعتبروا عيد الربيع عيدا رسميا محرفين اسمه الفارسي (نوروز) إلى (نيروز). وأصبح الاحتفال بهذا العيد أمرا شائعا وفي العراق فإلى جانب الأكراد الذين يحتفلون بعيد نوروز باعتباره ذكرى انتصار (كاوه) الحداد على الملك الطاغية (الضحاك) ، حتى الأمس القريب كان سكان كركوك يحتفلون بهذه المناسبة، حيث يجتمعون في ليلة 21 نوروز في الأزقة والحارات ،ويبدأ الأطفال بالغناء وهم يحملون المشاعل في الطرقات وفي سطوح منازلهم .وفي المساء يتم كسر الجرار القديمة ،ويسمى العامة هذه الاحتفالات باحتفالات (هلانا ) وهو في الأصل احتفال خاص بـ (مسيحيي القلعة ) التركمان الذين يحتفون به بذكرى إرسال (هيلانه ) أم الملك قسطنطين جموعا من المسيحيين من استانبول إلى فلسطين للبحث عن الصليب الذي صلب عليه السيد المسيح ،وبغية إضاءة الطريق طلبت إشعال المشاعل عبر التلال والجبال والطرق والمنافذ المؤدية من استانبول إلى فلسطين. ومع الزمن ونتيجة لمشاركة المسلمين التركمان جيرانهم من أبناء جلدتهم المسيحين في هذه الطقوس الاحتفالية ، أصبح الاحتفال في نوروز بهذه المناسبة تقليدا عاما يحتفل به سكان كركوك من التركمان في أحياء مختلفة".
ويذكرالعقبي"أن أرياف محافظة ميسان تحتفل أيضا بهذه المناسبة في 21 آذار، حيث يقوم الناس بشراء الخس والشموع على عدد أفراد الأسرة ثم يضعون الرز واللبن والسمسم والسكر والحناء في (صينية) كبيرة ويطلقون على هذه المواد (جوه السلة ) وبعد فترة من الهدوء والصمت يبدأون بتناول ما في الصينية . وفي اليوم الثاني يخرجون للتنزه في البساتين عصرا ومعهم الأطعمة ثم يعودون بعد الاحتفال إلى بيوتهم ./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام