الشارقة: نينا..
عن دائرة الثقافة في الشارقة، ضمن سلسلة إبداعات إماراتية، صدرت رواية «أنين الناي» للمسرحي الاماراتي صالح البحار، الذي ينطلق عبرها في رحلة نفسية تتداخل فيها الأحلام بالحقيقة، والألحان بالذاكرة، لتكشف سراً مكتوماً يربط بين وجعين متشابكين الفقد والظلم، في نسيج سردي معشق بالشجن. وجاءت في 144 صفحة من القطع المتوسط، قسمها الكاتب إلى 21 مشهداً درامياً.
قدم البحار روايته، في نسيج سردي يمزج بين الواقع اليومي واللاوعي النفسي، يبدأ السرد ببطل هو الكاتب نفسه يفتش عن غرفة عزلة تخفيه عن واقع ثقيل يعصف بحياته ليصبح هذا البحث ملاذاً للكتابة أو الهروب فتتحول الغرفة فجأة إلى مسرح لأسرار الجار الشيخ الضرير الذي يمسك بناي يعزف ألحاناً حزينة في وقت محدد كل ليلة تختلط فيها نبرات الندم والألم مثيرة تساؤلات البطل عن هوية هذا الشيخ وسر همسه: «سامحيني يا ميثة .. ما كان بيدي».
ينجح البحار هنا في بناء توتر نفسي دقيق، يعكس كيف يصبح الصوت الواحد مدخلاً لاستكشاف الذات والآخر، مستلهِماً تراث الناي كرمز للشجن العربي، ليحول الرواية إلى مرآة للذاكرة الجماعية المثقلة بالماضي غير المفصح عنه.
تمثل الرواية إضافة مميزة للأدب الإماراتي المعاصر، حيث يحول البحار الناي من أداة موسيقية إلى صوت ضمير يعيد صياغة الهوية الفردية في سياق يؤكد أهمية التأني في الحكم على الآخرين، ليدعو القارئ إلى التأمل في أهمية البوح الذي يكسر جدران العزلة.
رواية «أنين الناي» حكاية درامية مكتملة الأركان، تطرح ذاتها كمساحة اعتراف وتأمل عميق تتحول فيها الكتابة إلى فعل إصغاء مطول للذات وللآخر ومحاولة لاستكشاف ما يعمل في الداخل الإنساني من أسئلة وجودية ووجع مكتوم وقلق.
يجد القارئ نفسه ومنذ الصفحات الأولى أمام نص لا يهتم بالحدث السطحي، وإنما ينشغل بما وراءه بما يتركه في النفس من أثر صامت ومؤثر وبما لا يقال عادة في السرد التقليدي الذي يعتمد على التشويق الخارجي.
العنوان «أنين الناي» يفتح أبواب القراءة على مصراعيها إذ يحول «الأنين» من لحن إلى صوت خافت مستمر يوحي بألم مزمن لا يطلب شفقة بقدر ما يطالب باعتراف عميق بينما يجسد «الناي» رمزاً عربياً أصيلاً للشجن والحنين مرتبطاً بالتراث الشعبي ليصبح الكيان الحي الذي يتألم ويتذكر ويتساءل..انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام