، لكن هذا الفن الاصيل والذي يمثل هوية الفن العراقي يواجه اهمالا في داخل العراق لكنه يلقى قبولا واستحسانا في الخارج ويفخر المطربون بادائه في المسابقات الغنائية ، فهل سيندثر حقا ؟..وماهي وجهات النظر حول عودة ( الجالغي البغدادي ) الى المطاعم والنوادي الترفيهية ليقدم المقام العراقي من جديد في ظاهرة تقاوم النسيان والاهمال ؟
مفارقة غريبة
يعتبر المقام من أهم الفنون الموسيقية القديمة التي نشأت في العراق قبل 4000 سنة ، وقد ورد في كتاب ( الطرب عند العرب ) الصادر عام 1963 ، ان المقام العراقي هو نوع من الغناء القديم تصاحبه الآلات الموسيقية ، وهو تراث موسيقي يتسم بصفة أو طبيعة ارتجالية في الغناء والعزف على مختلف السلالم الموسيقية التقليدية بطريقة مضبوطة اذا كانت المناسبة دنيوية اما اذا كانت دينية فيقتصر على استخدام الجزء الغنائي بدون آلات موسيقية كما في المولد والتهاليل والتواشيح والتحميد ، وهو يشبه المقام الاذربيجاني والايراني وكذلك الطاجيكي والاوزبكي لكنه يختلف عن كل هذه المقامات بصفات أخرى هو ان المقام العراقي يقتصر وجوده في العراق فقط وهو يمثل الفن الغنائي الخاص بالموسيقى الحضرية للمدن ..
وتتفرع المقامات – حسب قاريء المقام والتدريسي في معهد الدراسات الموسيقية صباح هاشم – الى رئيسية ويصل عددها الى 54 نوعا تقريبا ، وتستخدم في غناء المقام اربعة آلات رئيسية هي السنطور والجوزة والطبلة والرق ، ومن أشهر قراء المقام في العراق ، رشيد القندرجي وحسن خيوكه ومحمد القبنجي ويوسف عمر وناظم الغزالي ،ومن النساء سليمة مراد وسلطانة يوسف وصديقة الملايه ،وقد رحلوا جميعا ومن بقي من قراء المقام فيقدم حفلاته في الخارج غالبا مثل حامد السعدي وحسين الاعظمي وفريدة محمد علي ..
اما عن تراجع المقام واختفائه فيرى هاشم ان المقام لم ينقرض لأن هناك جيلا لازال يؤديه ويتلقى دروسا عنه وعن آلاته في معهد الدراسات النغمية التابع لوزارة الثقافة ومعهد الدراسات الموسيقية ، كما توجد انشطة مقامية في المركز الثقافي البغدادي وفي قاعة الرباط يؤديها قراء من مختلف الاعمار لكن الجمهور محدود لأن القنوات الفضائية والاذاعات لاتبث المقام ولاتروج له ، مشيرا الى حقيقة ان المقام هو فن النخبة لكنه يجد قبولا كبيرا عندما يؤديه المطربون في الخارج ، وهذه مفارقة تدعو للاستغراب ، لأن المقام هوية للفن العراقي لكنه يجد ترحيبا واهتماما اكبر في الخارج بينما يعاني من الاهمال في العراق بعد ان تقلص نشاط بيت المقام العراقي، أما عن ظاهرة تقديم المقام في المطاعم والنوادي فيرى هاشم انها تعود للقطاع الخاص بينما ينبغي على وزارة الثقافة ان تقدمه ضمن مهرجانات وبرامج تعيد اليه قيمته الحقيقية وتحافظ على استمراريته وحبذا لو يتم توثيقه عبر تسجيل جميع الحفلات الموسيقية المقامية وبثها للجمهور ..
ويقول مخرج المنوعات التلفزيوني جمال محمد ان ظاهرة عودة غناء المقام العراقي في المطاعم والنوادي الترفيهية والامسيات الثقافية تشكل منفعة مادية للفنانين في مجال المقام العراقي ليستمر عطاؤهم ، غير انها ربما تقود الى الاسفاف اذا ماجرى غناء المقام أمام جمهور لايحب هذا النوع من الغناء ، ومع ذلك فهي ظاهرة جيدة لأنها تديم بقاء المقام العراقي باعتباره فنا لايندثر وقد تؤدي الى خلق قاعدة متذوقة للفن الاصيل ، مشيرا الى انه من عشاق المقام العراقي لانه ينحدر من عائلة بغدادية اصيلة ، وكانت له محاولات في اخراج برامج عن المقام العراقي مع الراحل هاشم الرجب وقاريء المقام خالد السامرائي اذ قدموا برنامجا فيه توضيح صوري لمقاطع المقام العراقي والانتقالات والوصلات بحيث يرى المشاهد ويقرأ عن الانتقالات في المقام العراقي ..
هوية للبلد
في أحد المطاعم ، كان التفاعل مع المقام العراقي واضحا لدى الحضور ومنهم حسن ابراهيم الذي بدا متلذذا بسماع المقام على الرغم من اعتراضه على تقديمه في المطاعم فقط لأنها غالية الثمن ولايرتادها الجميع مشيرا الى اهمال وزارة الثقافة لهذا النوع من الغناء الذي يمثل هوية الفن العراقي فلو كانت هناك جدية في نشر ثقافة المقام العراقي لعمدت الجهات المختصة الى اقامة مهرجانات ربحية ريعية يشارك فيها الشباب ايضا لاحياء التراث العراقي ..في الوقت الذي يجد فيه الملحن محسن فرحان في هذه الظاهرة فرصة لاعادة الروح الى المقام العراقي سيما وانه كان يقدم اصلا في المقاهي قبل نشوء الاذاعة ثم التلفزيون الذي خصص له برامج تحيي ذكراه كما اقامت وزارة الثقافة بيت المقام العراقي لتدريب الشباب وتقديم انشطة مقامية، لكن كل شيء تغير بعد عام 2003 وتراجع دور المؤسسات التي كانت تدعم الفن والثقافة ، اما عن عودته الآن بهذا الشكل فيعتبر فرحان ذلك حنينا الى الماضي لأننا الشعب الوحيد الذي يعيش حنينا دائما الى الماضي لرفضه لواقعه المرير وهو مااعاد المقام العراقي والاغاني التراثية القديمة الى المطاعم والمقاهي والنوادي الترفيهية ، فضلا عن المهرجانات التي تقام غالبا بجهود شخصية لانعاش الفن العراقي ..
من جهته ، يروي قاريء المقام قيس الاعظمي مفارقة اخرى حدثت خلال سفره مع الوفد العراقي الى باريس ضمن فرقة ( انغام الرافدين) في عام 2007 ، اذ صرحت منظمة اليونسكو قبل بدء الحفلة بان المقام العراقي مهدد بالانقراض ، أما بعد الحفلة فقد كانت ردود الفعل رائعة وصرحت المنظمة بان المقام مستمر الى مالانهاية كما تم اضافة صورة الفرقة على جدار المنظمة مع الصور التي تمثل تراث العديد من الدول ..
في الوقت الذي يؤكد فيه قاريء المقام حامد السعدي ان المقام هو هوية البلد ويحتاج الى الاهتمام من الدولة ومن المؤسسات الثقافية ، ففي الماضي كان التلفزيون يقدم برنامج ( سهرة مع المقام ) من اعداد الراحل هاشم الرجب وتقديم يحيى ادريس وكان يسلط الضوء على المقام وتشاهده كل العوائل العراقية ، لكن الاعلام حاليا مقصر جدا تجاه المقام العراقي لأنه يحتاج الى تسويق جيد كما تفعل الدول الاخرى مع تراثها الغنائي ، داعيا الجهات المسؤولة الى الحفاظ على هوية الفن العراقي ممثلة بالمقام العراقي ./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام