لابد ان تكون ردود الفعل الغربية تجاه مثل هذا الحدث سلبية، فقد تؤكد الصورة التي يحملها البعض عن المسلمين والعرب بأنهم مصدر للارهاب والعنف ، او تلصق بهم سمة التخلف التي تحملها بعض الاذهان الغربية عنهم . ولن يفهم الغربيون طبعا ان هؤلاء ضحايا مجتمعات دمرتها الحروب والصراعات ودفعتهم بالتالي الى الهجرة الى بلدان لاتعترف بقوة الذراع بل بالقانون فقط ...
رغم ذلك ، يواصل العراقيون مسلسل الهجرة الذي تزايد وتحول الى ظاهرة ، بل حمى اصابت الكثيرين ، خصوصا الشباب ، ليسارعوا الى مغادرة البلد ومواجهة ظروف قاهرة ادت ببعضهم الى الموت ..
ماالاسباب التي دعت الى ذلك وكيف تحولت بلاد الغرب الى أمل جديد للعراقيين ؟...
مغامرة حقيقية
عبد الله حسين شاب في العشرين من عمره ، طالب في المرحلة الاخيرة من الدراسة الاعدادية ،اعجبه رأي والده حين قال ان الحياة في العراق باتت مستحيلة وأيده في فكرة الهجرة الى اوروبا مع عائلته الصغيرة . وسرعان ما اقتنعت العائلة كلها بالفكرة دون تفكير في عواقبها ..
يقول عبد الله ان العراقيل بدأت منذ وصولهم الى اربيل واكتشافهم ان الحدود الى تركيا مغلقة واضطرارهم الى السفر الى طهران ثم الى تركيا حيث تبدأ هناك تجارة الهجرة التي اتقنها الاتراك لكثرة مايصلهم من مهاجرين يرومون السفر الى اوروبا ، فالعروض كثيرة وتستنزف مال المهاجر عبر تأمين حجرة له في فندق عادي. ثم ياتي دور المهرب ، وهنا يقع المهاجر بين ايدي مافيات متخصصة وخطيرة ..
تبين والدة عبد الله ان بعض المهربين يعدون بتأمين (يخت ) وفي يوم التهريب يكتشف المهاجر ان عليه ركوب قارب بلاستيكي . وفي حالة الرفض يجبرونه بقوة السلاح او يهددونه باعطائه حقنة ثم استئصال كليته ، وهو الامر الذي ارعب الاسرة فقررت السفر برا مقابل مبلغ باهظ لتأمين هويات اجنبية مزورة. وكان العائق الاول بالنسبة لام عبد الله ضرورة خلعها الحجاب وارتداء قبعة وهو مارفضته بشدة وقررت الانسحاب مع زوجها وطفليها الصغيرين ، بينما اصر عبد الله وشقيقه على المواصلة . وانتظر الجميع السفر لاسبوع ، اذ كان المهرب يؤجل الموعد يوميا ، ثم تبين انه ياخذ عمولة من صاحب الفندق ..
وتكمل ام عبد الله قصتها بصعوبة وكانها تروي فيلم رعب ، فقد تم اغلاق الحدود في نهاية شهر ايلول واضطروا جميعا الى السفر الى ازمير حيث تنطلق قوارب التهريب من هناك . وبعد مغامرات رهيبة تعرض لها اولادها ورفاقهم وكادوا يقتلون في احداها حين حاول احد المسافرين الابلاغ عن سلوكيات المهربين ، طلب زوجها من المهرب التوسط لدى المافيا التي يتعامل معها لاعادتهم مقابل مبلغ كبير ووعود بعدم الوشاية بهم ..وبينما ابتعد ( القارب ) عند منتصف الليل وفي ظلام دامس وهو يحمل عددا من المهاجرين وسط بكاء النساء والاطفال ، عادت اسرة عبد الله الى الفندق ثم الى اسطنبول ثم الى العراق بعد ان نبذت فكرة الهجرة نهائيا فالموت في الوطن ارحم بكثير من الموت بين عصابات المافيا ، كما تؤكد والدة عبد الله ..
تحديات امام الشباب
رغم هذه العراقيل ، يواصل الشباب الانقياد لفكرة الهجرة كما لو انها الحل الوحيد لكل مشاكلهم ..فما الذي يدفعهم الى ذلك ..؟...
الاعلامي احمد العكيلي يرى ان الامر لايعدو كونه مؤامرات خارجية استفادت من ضعف الحكومة فذهبت باتجاه افراغ البلد من الكفاءات والطاقات الشبابية ، ما يصب في ترجيح كفة داعش ، مشيرا الى غياب وعي الشباب في الوقوف بوجه هذه التحديات التي تعترض مصير البلد ...
بينما يرى الناشط المدني سلام الحافظ ان المرحلة العمرية للشباب لها متطلباتها من حيث الاستعدادات العقلية والجسمية الفيزيولوجية ، لذلك تقع على عاتق الدولة والمجتمع مهمة تهيئة متطلبات الشباب من عمل وسكن وزواج واستقرار سياسي واقتصادي وتنمية المهارات والقدرات وتوفير الامن والامان لهم ولاسرهم وكذلك الاهتمام بتعليمهم وتنشئتهم لتحقيق مايصبون اليه في بناء مستقبلهم ،فان لم يتحقق لهم شيء من ذلك ستجدهم يتسكعون بلا عمل او تعليم ولا امن او امان ، ولايوجد أي اهتمام بهم الا بمقدار الاستفادة منهم في تنفيذ بعض المشاريع التي تخدم الحركات والاحزاب السياسية ، والتي تصب في مصلحة هذه الجهات التي زرعت روح العداء والحقد الطائفي والمذهبي والقومي لتمرير مخططاتها ولعدم السماح للشباب بادارة وقيادة البلد ، رغم قدرتهم على ذلك ، ماجعل الكثيرين منهم يفكرون بالهجرة ...
من جانبه ، يعتقد الطبيب عدنان السواك ان المؤسات الحكومية تتحمل مسؤولية ازمة الهجرة ، اضافة الى غياب وعي اصحاب القرار باستيعاب طاقات الشباب بانشاء مشاريع استثمارية او خدمية . وتلعب الاجندات الدولية دورا في ايهام الشباب بان اوروبا هي الفردوس الاعلى بهدف اخراج ماتبقى من قوة تملكها البلاد لغرض تسهيل الاستيلاء بسهولة على المقدرات الكبيرة للوطن ، خاصة بعد ان شاهد العالم كيف لبت اعداد مخيفة نداء المرجعية لمقاومة داعش ..
ويرجع السواك اسباب الهجرة الى التشتت السياسي والضعف الاقتصادي وقناعة الشباب بان لامستقبل لهم في العراق ، اضافة الى اسباب طائفية ودينية واجندات ممنهجة وموقتة بتوقيتات دقيقة وحرجة ، فضلا عن اسباب ذاتية وشخصية بقناعات وجدانية بان اوروبا هي الفردوس الاعلى ..
ورغم انها لاتؤيد او ترفض هجرة الشباب وتعتبره قرارا شخصيا وحقا من حقوق الانسان بالدرجة الاولى ، الا ان الحقوقية والناشطة المدنية الدكتورة بشرى العبيدي ترى ان من حق الشاب ان يبحث عن المكان الذي يجد فيه مايشعره بالامن على حياته وانسانيته وكرامته ، مشيرة الى ان الدستور العراقي كفل في المادة 44 منه للانسان حق السفر والتنقل ، لكن هناك اسبابا كثيرة –برأيها – دفعت الشباب وسواهم الى الهجرة ، اهمها عامل الامن والعامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي فحاجتهم الى الشعور بالامن في ظل كل هذه التوترات والصراعات والنزاعات والجرائم تدفعهم الى البحث عن المكان الذي يعتقدون انه يحميهم ، فضلا عن حاجتهم الى الشعور بانسانيتهم وكرامتهم وان يعيشوا حياتهم بشكل طبيعي .
اما العامل الاقتصادي فقد لعب الدور الاكبر في دفع الشباب الى الهجرة بحثا عن فرصة عمل تحفظ لهم الوضع الاقتصادي الذي يكفل لهم العيش المناسب الذي افتقدوه في بلادهم ، في ظل الفساد الاداري واحتكار الوظائف وحرمان اصحاب الكفاءات والاختصاص منها ، وهي جريمة بحقهم لانها خرق للدستور الذي يضمن لهم مبدأ تكافؤ الفرص في المادة 16 منه ، كما ان القطاع الخاص يعاني من ركود مخيف .. ولو اهتمت به الدولة لربما منح اصحاب الكفاءات والعاطلين فرصا للعمل ولحرك الاقتصاد العراقي بشكل واسع وقلل من نسبة الفقر المرتفعة حاليا ..وتؤكد العبيدي ايضا اهمية النزاعات السياسية في دفع الشباب للهجرة لما لها من تأثير كبير على مجريات حياة البلد ..
مقترحات
ويدعو الناشط المدني علي الشويلي من محافظة ذي قار الى بقاء الشباب في الوطن لحاجته الى كل قدرة فردية وطاقة ذاتية ، فهجرة الشباب تحزنه كثيرا وخصوصا النشطاء وشباب التنمية البشرية والعسكريين ..ويمنح الشويلي العذر لشباب المناطق الساخنة في الهجرة للبحث عن الامان لهم ولعوائلهم ، ويتساءل عن سبب هجرة ابناء المناطق الاخرى ، مشيرا الى ان هناك احصائية اولية تشير الى هجرة اكثر من ثلاثة آلاف شاب من ذي قار اغلبهم موظفون في الداخلية وبعض الدوائر وهذا يعني ان هناك اسبابا اخرى للهجرة غير الحالة المعيشية والامان ....
ويقترح الشويلي بعض الخطوات للحد من ظاهرة الهجرة وحل ازمات البلد المستعصية ، منها العمل بالتوازي بين الحكومة بوزاراتها المعنية ومنظماتها المهتمة بالشأن العراقي في تبادل الاستشارات لان التزمت بالرأي وعدم استشارة المختصين للتعامل مع الازمات يؤخر البلد ..ويدعو ايضا الى اقامة ورش للشباب لتقدير الذات وابراز القدرات الروحية والعقلية لتطوير الشباب ومساعدتهم على ايجاد هويتهم الفكرية والقيادية ، كما يطالب وزارة الخارجية والمنظمات العراقية العالمية بعقد مؤتمرات تدعو الدول التي تستقبل العراقيين المهاجرين الى ان تطرح بدلا من ذلك مشاريع لمساعدة الشباب العراقي في العراق باقامة مشاريع زراعية وصناعية وتكنولوجية لهم في المناطق الآمنة .
ويعتقد الشويلي ان على وزارة الخارجية تعريف العالم ، بان ما يحتاجه العراق هو دعم شبابه في داخله لا في خارجه ..ومن الضروري ايضا استثمار القنوات الفضائية في استثارة الروح الوطنية والتذكير بضرورة عدم مغادرة البلد خلال ازمته ، فضلا عن اهمية قيام وزارة الشباب والرياضة باقامة منتديات ترفيه وتطوير بدني وفكري واماكن اكثر تطورا ، ليواكب الشباب مايرونه في العالم عبر وسائل التكنولوجيا المختلفة ، اذ ينبغي ان تكون للوزارة رؤية شبابية واعية تبعدها عن الجمود الفكري ..كما تقع على منظمات المجتمع المدني مهمة تفعيل قانون صرف رواتب بسيطة للخريجين العاطلين عن العمل كما ورد في قانون الضمان الاجتماعي .. فلعل هذه الخطوات ستمنح الشباب العراقي أملا يدفعهم للتمسك ببلدهم ./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام