فالمهاجرون العراقيون خيروا بين البقاء في أرض محترقة يستولي عليها تنظيم داعش الارهابي ويحرق الحرث والنسل ويقتل ويسفك ويغتصب ، وبين العبور الى " الحياة السعيدة " التي تنتظرهم خلف تلك البحار العميقة المملوءة بالمخاطر والمحفوفة بالموت ، حيث تنتظرهم الايادي التي تقدم لهم المأوى المناسب والنظام التعليمي والضمان الاجتماعي والصحي ، بعد ان يئسوا من بلدهم الذي يغفو على أبحر من الثروات ويصحو مفخخات وعبوات وقتل واغتيالات وتقشف زاد الطين بلة.
الا ان خبراء ومختصين اكدوا ان عوامل بعضها اقتصادية واخرى امنية انعكست على تشجيع الهجرة والتوجه لايجاد فرص عيش افضل خارج البلاد.
ويصف الخبير في الشأن الاقتصادي ضرغام محمد علي ، السياسات الحكومية السابقة والحالية بغير الفاعلة في تنشيط القطاع الخاص وخلق فرص العمل وهو ما ساهم في خلق اجواء تشجع الشباب على الهجرة للبحث عن العمل.
وقال للوكالة الوطنية العراقية للانباء /nina/ ، ان عدم انفتاح الدولة على القطاع الخاص وعدم تقديم حزم قوانين وتسهيلات بنكية وبنية تحتية ملائمة ، اضعف هذا القطاع وهمش دوره فتحولت الدولة الى المشغل شبه الوحيد للعمالة ما اوجد بطالة بنسب عالية وخلق طاقات معطلة تبحث عن التعيينات.
واشار الى ان غياب النزاهة في التوظيف وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة اضعف ثقة الفئات المجتمعية بكفاءة الدولة في ادارة ملفات الخدمات والازمات ما دفع عشرات الالاف للهجرة للبحث عن فرص عمل واعدة.
وشدد على ان اخطر انواع الهجرة هي هحرة الايدي العاملة الماهرة واصحاب الشهادات والكفاءات الذين سرق اصحاب الوساطات فرص العمل منهم وافقد البلاد الاف الكفاءات في مختلف الاختصاصات ومن الصعب تعويضهم ، مشيرا الى تصحيح الاوضاع القائمة تحتاج جهودا كبرى ووقتا طويلا وسياسات اصلاح حقيقية والا فان هجرة الكفاءات ستستمر.
بدورة دعا النائب عن التحالف الوطني حيدر الفوادي الحكومة إلى تفعيل القطاع الاهلي والمختلط ليكون ضامنا لتوفير فرص عمل للشباب ومنع هجرتهم.
وقال الفوادي في بيان له اليوم ، انه " يجب الا يكون القطاع الاقتصادي حكرآ على الدولة فقط ، اذ ان هجرة الشباب اليوم هي إحدى النتائج الحقيقية لعدم تنشيط القطاع الأهلي والمختلط بالإنتاج ".
وعبر عن الحاجة الى " إطلاق المشاريع التي تساهم في امتصاص البطالة مثل قطاع السياحة كالمدن المائية والألعاب ، مشيرا الى ان الشباب العراقي لم يجد فرصة عمل في ضل السياسة الريعية التي حولتنا إلى التوزيع بدل الإنتاج ، مشيرا الى ضرورة ان يكون الاعتماد على القطاعين الخاص والمختلط احد موارد الدولة في موازنتها ".
اما الباحث في الشأن الاقتصادي ملاذ الامين فطالب الحكومة بدراسة اسباب اندفاع الشباب العراقي نحو الهجرة ومعالجتها ، محذرا من ان افراغ العراق من شبابه وكفاءاته له اثار اقتصادية واجتماعية سيئة تظهر في السنوات القليلة المقبلة.
وقال لـ/nina/ ، ان " تزايد هجرة الشباب العراقي الى خارج البلاد يعني فقدان عنصر التجدد في المجتمع وانخفاض في معدل عدد الولادات الجدد بما يسهم في انخفاض النمو الطبيعي للسكان ، الى جانب انخفاض في معدل الزواج داخل البلاد والذي يترتب عليها اثار اجتماعية سلبية تنعكس باضرار اقتصادية جديدة ".
واضاف ان " فقدان البلاد لـ 400 الف من شبابه خلال عام واحد وهجرتهم الى خارج البلاد ـ كما ورد في احصاءات غير رسمية - ، يعني تعطيل حلقة مهمة من الجهود الاقتصادية التي يشارك بها هؤلاء الشباب او التي كان بالامكان دخولها ساحات العمل والانتاج " ، مشيرا الى ان " النمو الاقتصادي لا يتكون بمفردة ، من دون وجود العنصر البشري الذي ينقله الى المرحلة الجديدة ، ومع اضمحلال هذا العنصر فان معدلات النمو ستتراجع خلال السنوات القليلة المقبلة ".
وطالب الحكومة بـ " ضرورة دراسة الاسباب التي تجعل الشباب العراقي يتسابق نحو الهجرة ومعالجتها بالسرعة الممكنة "، لافتا الى ان " توفير فرص العمل والقضاء على الفساد المالي والاداري وانجاز المشاريع الخدمية والاستثمارية وبث الامن والاستقرار في المدن والقصبات العراقية مع القضاء على داعش والاستمرار في تطبيق الاصلاحات ، تعد من اهم العوامل التي تقلل من معدلات الهجرة ".
وتابع الخبير الاقتصادي " من مصلحة الدول الاوربية استضافة هؤلاء الشباب واستثمار امكانياتهم وخبراتهم بعد ان تخرجوا من مدارس وجامعات عراقية ، للمساهمة في زيادة نموها الاقتصادي وتنويع انتاجها ".
وذكرت وسائل اعلام تركية في وقت سابق بان اكثر من 400 الف عراقي وفدوا المدن التركية منذ بداية العام الحالي بقصد الهجرة ، ومنهم من وجد طريقه للهجرة الى اوربا والباقي ينتظر دوره.
واشارت الى ان مافيات تهريب البشر تنشط حاليا لتلبية رغبات الشباب العراقي لنقلهم الى البر اليوناني ومنها الى هنغاريا ومن ثم صربيا واخيرا الى النمسا بقصد اللجوء او الهجرة مقابل 7 الاف دولار للشخص.
واكدت منظمة الهجرة العالمية ان البحر المتوسط ابتلع هذا العام قرابة 3000 مهاجر استخدم مهربون سفنا قديمة وغير صالحة ادت الى تعطلها وغرقها في البحر.
وتنشط حكومات الاتحاد الاوربي بوضع قوانين جديدة لاستقبال المهاجرين واللاجئين من دول الشرق الاوسط وتسهيل الاجراءات الخاصة بهم مع توفير اماكن الاستضافة للكشف عن قدراتهم وامكانياتهم.
بينما أعلنت المفوضية العليا للاجئين في الامم المتحدة ان اكثر من 2500 لاجئ غرقوا في البحر اثناء محاولتهم الوصول الى اوربا منذ كانون الثاني 2015.
ويتعرض المهاجرون للغرق في مراحل عبورهم الى النمسا والمجر قادمين من اليونان ، بينما يتعرض من ينجو منهم من الغرق الى عمليات نصب واحتيال من قبل شبكات تقوم بالترويج بنقلهم الى الدول الاوربية التي يريدونها مقابل دفع مبلغ من المال .
وتتراوح أسعار اخراج المهاجر الواحد من العراق الى اوربا مرورا بتركيا كمحطة انطلاق واليونان كعبور الى الضفة الاخرى من اوربا ، ما بين 4000 دولار و6000 دولار يتم تسليمها الى اصحاب المكاتب من قبل ذوي اللاجئين حال وصولهم الى ارض الدولة الاوربية التي يطلبونها ، لكن النزاع يحصل في حالة غرقهم بالبحر.
وأعلن عدد من الدول الاوربية ضرورة التعاون من أجل حل ازمة اللاجئين لدولهم من خلال فتح الحدود والسماح لهم بالمرور وايصالهم الى الدول الاخرى ، وتقديم الغذاء والعلاج بصورة عاجلة لهم.
فقد قررت كل من المانيا واسبانيا والنمسا السماح بدخول اللاجئين الى أراضيها ومنحهم الاقامة بدولهم ، كما يبحث الاتحاد الاوربي حلا للازمة من خلال حث دول الاعضاء على الاسراع بانقاذ المهاجرين./انتهى8
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام