وتبعد جرش التي تشتهر باعمدتها الباسقة عن العاصمة عمان/ 48 كم/ وتقع في الجزء الشمالي من الاردن وترتفع عن سطح البحر قرابة 600 متر ومر عليها عصور عديدة منذ عصر اليونان فالرومان ثم عصر فتوحات الإسلام وتدل جرش على وجود حياة بشرية في تلك المنطقة الأثرية تعود إلى أكثر من 6500 سنة.
ويعود تاريخ تأسيس مدينة جرش إلى عهد الاسكندر الأكبرفي القرن الرابع قبل الميلاد أو ما يعرف بالعصر اليوناني وكانت تسمى آنذاك /جراسا/ ومعناه باليونانية مكان كثيف الأشجار؛ وعاشت المدينة عصرها الذهبي تحت الحكم الروماني لها ويعتبر الموقع في يومنا هذا عموما واحدا من أفضل المدن الرومانية المحافظ عليها في العالم.
وخضعت مدينة جرش لحكم الروم الذين احتلوا بلاد الشام طيلة 400 سنة وأسسوا اتحاد المدن العشر المعروف باسم مدن/ الديكابوليس/ وهو اتحاد اقتصادي وثقافي فيدرالي ضم عشر مدن رومانية اقامها القائد /بومبي/ عام 63 قبل الميلاد في شمال الأردن وفلسطين وجنوب سوريا لمواجهة قوة دولة /الأنباط/ العرب في الجنوب.
وبسبب موقعها على ملتقى طرق القوافل تحولت المدينة إلى مركز تجاري وثقافي مزدهر لتصبح أهم مدن الاتحاد حتى أن الامبراطور /هادريان/ قد زارها بنفسه عام 130 ميلادي أثناء مسيره إلى احتلال مدينة/تدمر/ في سوريا.
ونمت ثروة /جرش/ وازدهرت تجارتها وتوسعت علاقاتها مع الأنباط إلا أن خراب /تدمر/ في الشمال على يد الروم واضطراب الامن وتوسع الإمبراطورية الفارسية التي اجتاحت بلاد الشام وتحول طرق التجارة اصابت ازدهار المدينة وتقدمها في مقتل وادخلتها أسوأ مراحل تاريخها .
وعاشت مدينة جرش عصرها الذهبي تحت حكم الروم الذين ادخلوا إليها الديانة المسيحية بحلول عام 350 ميلادي لتنتعش فيها لاحقا حركة تشييد الكنائس والاديرة التي دمر معظمها على يد الجيوش الفارسية.
وفى العام 635 ميلادي وصلت جيوش الفتح الإسلامي إلى جرش بقيادة شرحبيل بن حسنة في عهد الخليفة الثاني ليعود الامن والاستقرار إلى المنطقة كلها ولتستعيد المدينة ازدهارها في العصر الأموي.
كما دمر زلزال عنيف أجزاء كبيرة من هذه المدينة سنة 747 ميلادية كما ادت الزلازل المتلاحقة ومعها الحروب والفتن التي ضربت المنطقة لاحقا إلى دمار اضافي اسهم في خرابها وبقيت انقاضها مطمورة في التراب مئات السنين إلى أن اكتشفها الرحالة والمستشرق الألماني أولريش ياسبر زيتسن سنة 1806 للميلاد ليبدأ التنقيب عنها واعادة الحياة إليها في القرن العشرين.
وتكشف مدينة جرش التي تعد من اهم المناطق الاثرية بالاردن، عن مثال رائع للتطور المدني عند الرومان في الشرق الأوسط، وهي تتألف من شوارع معبدة ومعمدة، ومعابد عالية على رؤوس التلال ومسارح أنيقة وميادين وقصور، وحمامات، ونوافير وأسوار تفضي إلى أبراج وبوابات.
والى جانب طابعها الخارجي اليوناني-الروماني فإن مدينة جرش أيضا تحافظ على مزيج من الطابع الشرقي والغربي فهندستها المعمارية وديانتها ولغتها تعكس العملية التي تم فيها اندماج وتعايش ثقافتين قويتين وهما العالم الروماني-اليوناني في منطقة حوض المتوسط والتقاليد القديمة للشرق العربي.
ويستطيع الزائر أن يتجول بين هياكل المدينة ومسارحها وحماماتها وشوارعها المبلطة ذات الأعمدة الشامخة والتي تحيط بها كلها أسوار واسعة النطاق فيما عثر علماء الآثار في داخل هذه الأسوار على بقايا مستوطنات تعود للعصر البرونزي، والعصر الحديدي، ولعهود الإغريق والرومان والبيزنطيين والأمويين والعباسيين، مما يشير إلى إقامة الإنسان فيها منذ أكثر من 2500 سنة.
وفترة الخمسينات من القرن الماضي نمت مدينة جرش سكانيا وعمرانيا بمعدلات فاقت مثيلاتها في الفترات السابقة بسبب استقرار بعض اللاجئين الفلسطينيين فيها واستمر توافد سكان المناطق المجاورة إليها وتزايد الأهمية السياحية لها بسبب وجود بعض الآثار الرومانية الهامة ولوقوعها على أهم شرايين المواصلات في الأردن المتمثل بطريق عمان – اربد /شمال المملكة/ .
وفي هذه الفترة توسع الزحف العمراني في كافة اتجاهات المدينة باستثناء الغرب لوجود المنطقة الأثرية التي يحظر البناء فيها وازداد التطور العمراني والنمو السكاني لمدينة جرش في فترة الستينيات والسبعينيات مما ساعد على زيادة أهمية المدينة وتعدد الوظائف والخدمات فيها وبالتالي زيادة عدد السكان وانتشار العمران الذي شكل عددا كبيرا من الأحياء المترامية الأطراف في الشرق والشمال والجنوب./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام