وظلت تسمية ( فصلية ) تحمل الكثير من الاساءة الى المرأة لكنها تنسب الى الماضي كنوع من التقاليد العشائرية البالية.
مؤخرا ، اعادت عشائر من مدينة البصرة هذه الظاهرة الى السطح حين قررت انهاء نزاع بين عشيرتين قتل فيه عدد من ابناء العشيرتين بان تسلم العشيرة المعتدية 50 امرأة من نسائها الى العشيرة المعتدى عليها كـ (فصليات) ، ما اثارانتقادات واسعة من منظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان والمثقفين وعدد من رجال الدين والسياسة لاساءة الظاهرة الى كيان المرأة العراقية وكرامتها وانسانيتها فضلا عن التمسك بالتقاليد التي تبعدنا عن التحضر اميالا وتعيدنا زمن الجاهلية وعبودية المرأة.
جريمة .. ثمن لجريمة
هناك من يعتبر تقديم المرأة كثمن لجريمة هو جريمة اكثر بشاعة ، ولكن بحق المرأة ، فما ذنبها ان يتم دفعها كدية عن جريمة ارتكبها احد ذويها او فرد من عشيرتها ونفذ بجلده منها لتتحمل هي وزرها على اعتبار ان حماية الرجل من القتل أهم من سعادة المرأة وحياتها ومستقبلها.
ربما كان حظ (سهام) افضل بكثير من بنات البصرة ، فهي تنتمي لأحدى عشائر الوسط في اطراف بغداد ، وسبق لوالدها ان قام بقتل فرد من عشيرة أخرى وظل ملاحقا من اشقائه طلبا للثأر لسنوات ، كما كان مطلوبا من قبل القانون ومحكوم عليه غيابيا.
لذا حاول بعد سقوط النظام السابق وعودة دور العشيرة بقوة ، ترضية اهل القتيل عشائريا بواسطة الفصل العشائري ، وبعد ان ارسل من يدعوهم لذلك فوجيء بمطالبتهم اياه بارسال ابنته بدلا من ( الدية ) المالية.
وافقت سهام على مضض لتجنب والدها الاعدام او القتل على ايدي اشقاء القتيل ، لكن والدها رفض طلبهم رفضا باتا لأنه اعتبره اهانة لكرامة ابنته ولأنه ارتكب جريمة لا ذنب لها فيها وعليه ان يحتمل وزرها او تقتنع العشيرة الأخرى بقبول مبلغ مالي.
يعتبر حميد جحجيح رئيس مؤسسة (كون) للتنمية البشرية ، عودة هذه الظاهرة مؤشرا خطيرا لعودة بعض الاعراف التي تنتهك حق المرأة في الاختيار واتخاذ القرار.
واشار الى ان هذه الظاهرة أمست غير متداولة لفترة طويلة ، لذا تعمل مؤسسة (كون) على تسجيل اعتراضها على التعامل مع المرأة كسلعة وانتهاك حقوقها المدنية التي كفلها الدستور العراقي والقوانين النافذة.
ويستذكر جحجيح كيف كان موضوع الفصلية رائجا قبل عشرات السنين ثم تجلى اعتراض المجتمع عليه عبر اغنية قدمها الفنان الشعبي عبادي العماري بعنوان ( فصلية ) كان لها دورا بارزا في الحد من هذه الظاهرة واعتبارها عيبا او انتهاكا لحقوق المرأة.
من جهتها ، ترى الناشطة المدنية والاعلامية ماجدة البابلي ان هذه الظاهرة عادت الى الظهور بعد سقوط النظام السابق وما تزال موجودة في القرى والارياف.
واشارت الى تنظيم منظمات المجتمع المدني ، تظاهرات وندوات احتجاجا على هذه الظاهرة تحت شعار (اوقفوا الاعراف العشائرية ضد المرأة) للمطالبة بقانون يحمي المرأة من كل أشكال التمييز والعنف وكذلك حمايتها من التسلط العشائري ووقف كل الانتهاكات بحقوقها والمطالبة بالغاء هذا العرف العشائري.
وتشدد البابلي على ضرورة قيام لجنة المرأة النيابية ووزارة حقوق الانسان بدور فاعل باعتبار الثانية موقعة على معاهدة /سيداو/ ..
الحاجة الى الحكمة ..
ردا على سؤال ورد الى مكتب المرجع الديني السيد علي السيستاني عن الموقف الشرعي تجاه مسألة ( الفصلية ) ، قال انه لا يجوز اجبار المرأة على الزواج من شخص رغما عنها (حتى مع اعطاء المهر) فضلا عن اعتبار زواجهما جزءا من الدية.
فيما أهاب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بالعشائر العراقية ان تركن الى العقل والحكمة والشرع وان تطيع تعاليم الحوزة والمراجع الكبار فيما يخص تقديم نسائهم كـ (فصليات) ما يعني ان هذه الظاهرة منبوذة دينيا وشرعيا.
وتؤكد (تضامن عبد المحسن) رئيسة لجنة المرأة في وزارة الثقافة ، ان الظاهرة مرفوضة قانونيا ايضا اذ كفل قانون الاحوال الشخصية رقم 188النافذ لسنة 1959 حرية المرأة في اختيار الزوج من خلال المادة الرابعة في الفصل الثاني.
وتنص هذه المادة على ما يأتي (ينعقد الزواج بايجاب من احد العاقدين وقبول من الآخر ويقوم الوكيل مقامه).
كما حذرت المادة التاسعة من الفصل نفسه ، والكلام لا يزال لرئيسة اللجنة ، من اكراه احد الطرفين ، المرأة او الرجل ، على الزواج اذ تنص على انه (1- لا يحق لاي من الاقارب او الاغيار اكراه أي شخص ذكرا كان ام انثى على الزواج دون رضاه ويعتبر عقد الزواج بالاكراه باطلا اذا لم يتم الدخول كما لا يحق أي من الاقارب او الاغيار منع من كان اهلا للزواج بموجب احكام هذا القانون من الزواج ـ 2/ يعاقب من يخالف احكام الفقرة 1 من هذه المادة بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات).
وترى عبد المحسن ان من الممكن عدم الالتزام بالقانون والدستور " لكننا يجب الا نخالف القرآن الكريم الذي يمكن اعتباره دستور الحياة والذي حرم ومعه كل الاديان الاخرى الزواج بالاكراه.
وتتابع :" اما عن زواج الدية او الفصلية ، فقد سعينا كناشطات ومدافعات عن حقوق المرأة ، لتنظيم وقفات احتجاجية للضغط على الحكومة للتدخل وايقاف تطبيق الاعراف العشائرية المتخلفة التي تنتهك حقوق المرأة في اختيار شريك حياتها وتحويلها الى سلعة تباع وتشترى ".
وتضيف :" كما تم الاتفاق على اقامة ندوات في وزارة الثقافة لرفض الانقياد وراء تقاليد عفا عليها الدهر بعدما حصلت المرأة على كامل حريتها ، ونحن اليوم اذ نسعى لبناء دولة مدنية ، فأننا نناضل من أجل ان يكون للمرأة دورها الحقيقي في ذلك "..
عبء قاس ..
في أحدى قرى محافظة ذي قار ، تحمل (كاظمية ) عبء كونها ( فصلية ) على اكتافها منذ اكثر من ثلاثين عاما ، فبعد ان كانت السبب في تحرير رقبة شقيقها من الموت المحقق ، اصبحت ضحية لزوج قاس وضرة لأمراة حاقدة اذاقتها صنوف العذاب لأنها خطفت منها زوجها دون سابق انذار.
ورغم انها انجبت اولادا وبنات الا انهم حملوا معها العبء ذاته ولم يتخلصوا من لقب ( ابن الفصلية ) حتى هذه اللحظة ..
ويرى الناشط الحقوقي جمال البياتي ان هذه الظاهرة " اعادتنا الى عصر الجاهلية وان المرأة العراقية يجب الا تعامل كالسبايا في زمن الديمقراطية " مطالبا بالغاء الاعراف العشائرية المسيئة للمرأة باقرار قوانين تحافظ على كرامتها ..
من جانبها ، تعتبر نقية اسكندر سكرتيرة رئيسة رابطة المرأة العراقية ان عودة هذه الظاهرة هي نتيجة ضعف الحماية والأمن فضلا عن الفهم الخاطيء للشريعة الاسلامية وتحريف الاعراف والتقاليد العشائرية وغياب القانون لتصبح النساء ضحية العنف العشائري.
وطالبت الجهات المسؤولة باستحداث هيئات جديدة لحماية شرائح معينة من النساء المعرضات للعنف الذي يطال حياتهن ووجودهن المعنوي وكيانهن الانساني ، وتفعيل القوانين المدنية التي من شأنها القضاء على التقاليد والأعراف العشائرية ، ومنها " زواج الفصلية " الذي يسلب المرأة حريتها وكرامتها ..
كما تدعو اسكندر منظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان والمنظمات النسوية خصوصا ، الى ان تأخذ دورها في النضال من اجل وضع حد للتعديات اليومية الواقعة على حقوق النساء العراقيات والعمل على تغيير القوانين المهينة للمرأة باخرى تتناسب ومعايير الحضارة الانسانية والتطور الحضاري ..
سبق للعراق ان ألغى قانون العشائر وقضى على سلطة القبيلة السياسية وحولها الى هيئة اجتماعية ريفية يمكن للمرء الرجوع اليها للمشورة.
لكن الفراغ السياسي الذي خلفه اسقاط النظام السابق ، اعاد للأعراف نفوذها من جديد فضلا عن غياب التطبيق القانوني لما بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 والذي اعطى للعشائرية نفوذها وهذا ما كرسه حتى بعض المتنفذين في السلطة..
ترى هل يمكن التغلب اعلى سلطة العشيرة بقوانين صارمة تنصف المرأة وتعيد اليها كرامتها وحريتها في الاختيار .. وهل ستتجنب نساء اخريات مصير الخمسين امرأة ( فصلية ) ؟../انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام