يتملك حسن الذي يعيش مع عائلته في بيت متهاو بأحد الأحياء العشوائية التي تسمى محليا بـ " الحواسم " الألم والحسرة كما يقول حين يرى رفاقه مع أول الصباح يحملون حقائبهم المليئة بالكتب في حين يزحف هو نحو سوق عمل لا يرحم وقسوة مفرطة يتلقاها من زبائن يقوم بنقل بضائعهم بعربة صغيرة مستأجرة تضاف إلى قسوة زمن عرضه لمصير مجهول بعمر مبكر.
(ضحايا الفقر)
وليس حسن استثناء من الحالة بل هو الجزء الأصغر من حكاية أكبر تكشف عنها أرقام منظمات تعنى بحقوق الإنسان والطفولة في العراق.
يعلق مدير المكتب الإقليمي لمنظمة تموز الاجتماعية في جنوب العراق رزاق عبيد الظاهر على ظاهرة تنامي عمالة الأطفال في جنوب العراق عموما وفي ميسان خصوصا بأنها ، في نمو مطرد ، ويقول " إن عوامل كثيرة تقف وراء نمو هذه الظاهرة أولها الفقر المدقع الذي يضرب أطنابه في مدن الجنوب العراقي والتي تشهد نسبة نمو سكاني كبيرة قياسا بالموارد وخطط التنمية البطيئة والمتعثرة التي تتخذها السلطات هنا ".
ويلفت إلى إن المنظمة أجرت بين عامي 2007 و2008 تحليلا لهذه الظاهرة وكشفت عن أرقام كبيرة ، لكن المفارقة أنها عادت في هذا العام لتكتشف تضاعف أرقام عمالة الأطفال بدلا من تقلصها.
ويشير إلى أن ما يقارب 32% من الأطفال في محافظة ميسان يضطرون إلى العمل في الأسواق والورش الصناعية أو التسول في الطرقات والتقاطعات الرئيسة.
(لا معالجات فاعلة)
ويبين أن الدراسة التي أجرتها المنظمة ، وجدت أن الأطفال الذين يجبرون على العمل مبكرا هم في الأغلب من الأيتام أو من عوائل فقيرة لا تستطيع إيفاء مستلزمات الحياة التي تشهد تصاعدا كبيرا ، لذا فإن عملية التحاق الأطفال بأسواق العمل مستمرة بالنمو دون معالجات فاعلة ، خصوصا وأن البلاد تمر بضائقة مالية كبيرة مع حالة التقشف التي أعلنت عنها الحكومة والتي ستزيد من نسبة الفقر وبالتالي المزيد من الأطفال الملتحقين بسوق العمل.
ويختم الظاهر حديثه بالقول إن قانون العمل العراقي منع استغلال الأطفال أو تشغليهم بأي شكل من الأشكال ، مبينا أن هناك تحايلا على القانون من قبل بعض أصحاب الورش والمحال ، فضلا عن أن منع الأطفال من العمل قد يتسبب بقطع ما تحص4ل عليهم عوائلهم من دخل بسيط في ظل غياب المعالجة الحكومية التي ينبغي أن توفر لهؤلاء الأطفال ولعوائلهم دخلا ثابتا يقيهم في الأقل مشكلة دفع صغارهم إلى أسواق عمل لا ترحم.
وكانت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) أكدت في تقريرها الصادر في تشرين الثاني العام الماضي وجود 41 ألف طفل متسرب من مقاعد الدراسة في ميسان.
وقال مدير الرعاية الاجتماعية فاضل مطشر " ان أكثر من 41 ألف طفل لم يلتحقوا بمقاعد الدراسة أي ما يعادل ربع أطفال المحافظة الذين تتراوح أعمارهم ما بين 5 إلى 12 سنة حسب المسح الإحصائي غير الرسمي الذي أنجزته إحدى منظمات المجتمع المدني.
(مؤشرات خطيرة)
ويرى الدكتور حسين جبار أستاذ الإرشاد النفسي والتربوي " إن الأرقام المتداولة بشأن مستوى الفقر في العراق تعد مؤشرات خطيرة للأزمة التي تعيشها البلاد حاليا على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ويتابع :" لعل ارتفاع هذه الأرقام يعود إلى تصاعد نسبة الفقر من العوامل المعوقة للتنمية المجتمعية خاصة إذا لم تتم معالجة الأسباب الحقيقية التي تقف وراءه كالبطالة وقلة الفرص الاستثمارية ، وأول أخطار الفقر تتجسد في خروج الكثير من الأفراد عن سياقات التقاليد والأعراف والقيم الاجتماعية السائدة أو الخروج على القانون والانحراف فضلا عن حالات التقشف والضائقة المادية ".
ويرى كثيرون ان الدول النامية الخالية من الثروات والبترول تعد من الدول الفقيرة ، لكن لا احد يتصور ان يكون بلدا مثل العراق الغزير بتعدد ثرواته الاقتصادية والطبيعية وفي مقدمتها النفط والمعادن والفوسفات وخصوبة الأرض والاهوار والسياحة والآثار والمحاصيل الزراعية والفرص الاستثمارية ، من فصيلة الدول النامية والفقيرة.
الا ان دائرة الفقر اتسعت في هذه المحافظة وتدهورت البيئة الاجتماعية ، وتفشت أجواء عدم الأمان والاستقرار على المستويين الفردي والعام خلال السنوات الأخيرة نتيجة ما يتعرض له البلد من هجمة من قبل تنظيمات ارهابية كداعش.
فيما يرى آخرون ان إلاجراءات الحكومية المصابة بـ (فقر الدم السياسي) كما يصفها بعض المحللين ، أدت بالدرجة الأساس الى تفاقم ظاهرة الفقر الأمر الذي أدى الى تصدر العراق قائمة الدول الفقيرة.
ولعل منظمة الشفافية ونتائج دراساتها الميدانية أشارت بوضوح لا يقبل الشك الى هذه الحقيقة ورغم محاولات الحكومة الاتحادية ، تحسين حياة الفقراء ومعالجة جوانب معينة من خلال مشاريع البني التحتية سواء كانت في بيئة الريف او في المدينة ، لكنها لا تشكل قطرة في بحر إزاء تطلعات المحرومين من العوائل الفقيرة وهي تدنو الى إيقاد شموع الأمل نحو أجواء العيش الرغيد في بلد البترول وفي محافظة الذهب الأسود (ميسان).
ويقول الدكتور جاسم محمد الهاشمي /باحث اكاديمي/ " أنجزت بحثا ميدانيا في عموم المحافظة عن واقع الفقر بين الناس وخطة تحسين الكفاءة الاقتصادية للريف العراقي بالمحافظة من خلال استمارة استبيان خاصة بقرى وريف المحافظة بعد تشكيل فريق عمل من منتسبي مديرية زراعة المحافظة تشمل 32 مهندسا ومرشدا زراعيا ".
ويضيف " عملنا ورشة عمل لهم لتهيئتهم لإملاء استمارة الاستبيان والتي استغرقت 28 يوما ، كمدة للبحث وشمل إطار البحث الجغرافي لـ 15 منطقة زراعية هي / الميمونة ، السلام ، المجر الكبير ، العدل ، الخير ، مركز مدينة العمارة ، قلعة صالح ، العزير، الكحلاء، المشرح، علي الشرقي، علي الغربي، نهر سعد، سيد احمد الرفاعي، بني هاشم/ ".
واستطرد :" كفريق عمل ، التقينا بـ 170 الفا و802 فلاحا ثم حللنا المعلومات بمدة استغرقت أكثر من ستة أشهر ، استخرجنا حسب المعطيات العلمية نتائج معقدة وملفتة للنظر ، اذ أظهرت الدراسة البحثية ان دخل الفرد في قرى المحافظة يبلغ 9ر26 ألف دينار شهريا ، إي ان الأسرة الريفية في ميسان تعيش دون خط الفقر الرسمي ".
وأضاف " ان البحث يهدف الى وضع سياسة زراعية تمكن أهالي ريف ميسان من رفع مستواهم المعيشي وكسر حلقة الفقر والتوجه نحو الادخار والاستثمار والتشغيل الكامل لموارد الإنتاج المتوفرة بشكل امثل ، والاهم ان البحث 4يظهر إمكانية تحديث وتطبيق الخبرات الرائدة للريفيين والتي تأثرت بعوامل عديدة مثل الحروب وتقديم الخدمات وعدم تناقلها بين الأجيال ".
وقال الهاشمي " نستهدف في بحثنا الوزارات ذات العلاقة بالتنمية الاقتصادية لغرض توجيه الخدمات الأساسية بشكل ملائم ، وكذلك إظهار العوامل المؤثرة على تطوير النشاط الاقتصادي الزراعي والمهني والمعرفي ".
ويؤكد خبراء ان الدول الإقليمية والمجاورة لا تملك ربع ما يملك العراق من خيرات وثروات ، فهل عجزت وزارة الاعمار والإسكان عن الاستفادة من تجارب الشعوب والدول في بناء الوحدات السكنية.
بل هل عجزت الحكومة العراقية عن ان تخصص من ميزانيتها ولو جزءا يسيرا لحل أزمة السكن التي أصبحت اللعنة التي تلاحق المواطن العراقي ، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان الحلول الجدية لهذه الأزمة صعبة بعد ان أصبحت مشكلة مستعصية يصعب حلها بقرارات ونوايا طيبة او مبادرات فردية من هنا وهناك او الاعتماد على تصريحات غير مسؤولة./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام