وحين حاول تنفيذ خطته بعد متابعة الشاب اكتشف انه اب لطفلين يستقبلانه يوميا امام باب المنزل ليمنحهما الحلوى والهدايا البسيطة ..كان هذا المشهد كافيا ليعدل خالد عن قراره ويقرر مسامحة الشاب ليس لأنه يستحق ذلك ولكن قتله سيدمر اسرة اخرى وقد يشرد اطفاله او يقودهم الى الانحراف ..
واذا كان خالد قد فكر بهذه الطريقة فهناك عشرات غيره لايشفي جروحهم الا الأنتقام وهو ما أسس لنشوء ثقافة الثأر في العراق والتي كانت مقتصرة سابقا على البيئة البدوية والريفية ، فالقتل المجاني والدافع الطائفي وغياب العقوبات القانونية للبعض كانت وراء انتشار هذه الثقافة .. فهل يمكن ان تصبح ثقافة التسامح بديلا عنها مستقبلا ؟...
البدو ..والحضر
"لولا انتقال اسرة جاري الذي وشى الى تنظيم القاعدة بانتماء شقيقي الى ابناء الصحوة وقيامهم بقتله لكنت قد قتلته بيدي " ..بهذه الطريقة تحدث ابوفراس عن رغبته بالثأر من جاره الذي لم يتصور يوما انه قادر على الوشاية بشقيقه وتسليمه الى القتلة قبل عدة اعوام ويقول ابو فراس انه لن يتخلى عن قراره بالانتقام لو عثر على جاره الذي انتقل من منطقتهم ليلة مقتل شقيقه فلن يشفي غليله تسليمه الى العدالة لأن اغلب المجرمين الذين تلطخت اياديهم بدماء الابرياء احرار طلقاء بعد ان أفرج عنهم ..
يؤكد المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي رسوخ عقلية البداوة في الشخصية العراقية فالكثير من العراقيين متحضرون في الظاهر ولكنهم بدويون في الباطن والبدوي لاينسى ثأره بعد اربعين عاما من اجل بعير فكيف اذا كان احد افراد اسرته وبالتالي فالفرد العراقي يؤمن بثقافة الثأر ويمارسها حتى في المدن ..
ربما يظلم هذا الرأي شريحة البدو لأنهم يؤمنون اكثر بثقافة التسامح كما يرى الباحث الاجتماعي حامد الجميلي من جامعة بغداد..ويروي الجميلي حكاية جرت قبل عدة عقود ليؤكد رأيه فيقول ان رجلا قتل والده غدرا في احدى المناطق البدوية فقرر الانتقام له عملا بمبدأ ( الثأر ) لدى البدو وظل يبحث عن الرجل الذي قتله ، وخلال رحلة بحثه هبط عليه الليل وشعر بالجوع فنزل ضيفا على خيمة منعزلة في الصحراء..استقبله اهل الخيمة بالترحاب العربي المعروف وقدموا له بكرمهم المعتاد الماء والزاد ..بعد ان تناول طعامه حل ضيف آخر على الخيمة ومن خلال كلامه مع صاحبها ادرك الرجل انه يجلس في خيمة قاتل والده ..تزاحمت في داخله الرغبة بالانتقام وتنفيذ هدفه الذي يسعى من اجله لكن قيمه البدوية التي تربى عليها منعته من ذلك فصارح الرجل بانه لن يقتله لأنه اكل من زاده !
يجزم المحلل السياسي احمد العاني بأن الطائفية السياسية هي السبب في اشاعة ثقافة الثأر من جديد في المجتمع العراقي وذلك باثارة الروح الانتقامية لأنها تلغي الآخر وتتسلح بسلاح الدين وتحمي القتلة وتضعهم فوق القانون كما تسعى الى تشكيل ميليشيات وعصابات منظمة تمارس انواع العنف من خطف وترهيب وقتل وتصفيات طائفية بما يصور الأمر بأنه اعتداء من طرف مجتمعي ضد آخر مع تعزيز الأحتقان الطائفي بكل الوسائل الممكنة ..
ثقافة التسامح
مؤخرا ، دعا العديد من المثقفين ومنظمات المجتمع المدني الى نبذ الطائفية ونشر ثقافة التسامح بين ابناء المجتمع ..
لتحقيق ذلك ، يطالب الدكتور باسم الشمري / المتخصص في القانون المدني بملاحقة المجرمين ممن تلطخت ايديهم بدماء العراقيين قانونيا مشددا على تطبيق عقوبة الاعدام بعد اجراء محاكمات اصولية وتطبيق القانون بعدالة لقطع الطريق امام لجوء المواطنين الى الثأر والانتقام ، وداعيا الى بث روح جديدة من العلاقات العراقية الانسانية والاجتماعية لترميم النظام الاجتماعي العراقي الذي انهارت اجزاء مهمة من منظومته الاخلاقية في السنوات الاخيرة ..
من جهتها ، تؤكد البرلمانية والناشطة رئيسة مركز عراقيات شروق العبايجي على ضرورة وضع خطة وطنية شاملة لبث ثقافة التسامح والسلم الاهلي في العراق عن طريق توعية المجتمع بدءا من طلبة المدارس ثم الجامعات باقامة برامج حوارية بين الاطراف المختلفة ..
وتدعو العبايجي منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحكومية والاكاديميين الى التصدي لهذا الموضوع وبشكل فاعل واتخاذ اجراءات عديدة لترسيخ ثقافة التسامح والسلم الاهلي في نفوس الاجيال المقبلة التي شهدت الخلافات واعمال العنف وماترتب عليها من حقد وكره للآخر مشيرة الى دور المؤسسات الاعلامية والدينية في هذا الجانب ..
من جانبها ، ترى الاعلامية الناشطة ميسون امين من وزارة الثقافة ان تعديل او اقرار بعض القوانين لايكفي مالم يتم تعديل المناهج الدراسية والاهتمام بالطفل لتاسيس قاعدة جديدة للسلم الاهلي مادام الطفل هو المستقبل الحقيقي للعراق فضلا عن توعية الاهالي للابتعاد عن ثقافة الثأر وبناء ثقافة جديدة مبنية على اساس احترام الآخر ولن يتحقق ذلك الا بتنشيط لغة الحوار الحضاري وتقوية دور القانون ..
ويرى المحامي حسين الخطيب ان خلو المجتمع من المظاهر المسلحة هو الوسيلة الاسلم لبناء مجتمع قائم على التسامح والسلم لأن السلاح يثير العنف مطالبا منظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام بتوعية المجتمع بضرورة محاربة الطائفية وداعيا الجهات الحكومية الى تشريع قانون يحاسب من يثيرالنعرات الطائفية والخلافات الدينية والعرقية من اجل بناء عراق ديمقراطي حقيقي ..
ويعود المحلل السياسي احمد العاني ليؤكد ان الابقاء على قيادات الاحزاب ونهجها السياسي في التعامل مع الاخرين وتغييب الحياة الديمقراطية الداخلية يحول دون ظهور جيل جديد من القيادات الشابة المتفهمة لطبيعة المرحلة التي لم تلوثها الطموحات غير المشروعة اواغراءات السلطة والمال والجاه ولها الاستعداد على الانفتاح على الاخرين واشاعة ثقافة التعاون المشترك واعادة البناء الاجتماعي الذي تعرض لضربات الطائفية والعرقية والاثنية بهدف تجاوز الحاضر وبناء مستقبل مشرق ../انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام