وعندنا (عرب ومسلمون) رمز لم تبتدعه بادرة بشرية وانما صيرته ارادة ربانية ليكون كما وصفه الرحمن الرحيم (رحمة للعالمين) ... ذلك هو نبينا محمد المصطفى(ص)... فهذا الفنار الشامخ في حياة الانسانية لم يأت الى الناس بدعوة عبادية محددة ولا مستهدفا قومه او مجموعة بعينها دون اخرى وانما هيأه الباريء القدير سبحانه لعملية انقلابية شاملة تغير حياة البشر بصيغة سامية تعلو على كل السلوكيات والطبائع والممارسات المذلة والمهينة لأنسانية الناس وكرامتهم وتنطلق بهم في مسار قويم تتساوى فيه معايير التوصيف الانساني وتتباين فيه قيمة الافراد على قدر العطاء والبذل والسلوك القويم ... ولقد اجمل (ص) معنى رسالة الرب التي حمله اياها الى عباده بالقول (أنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق).
أذن هذا هو محمد نور الاسلام الى البشر كافة ... نور ليس على طريق العلاقة بين الانسان وربه عبر خطوط العبادات حسب بل نور يهدي الانسان الى ما يؤمن ميدان الحياة لعيش رغد يأمن الناس بعضهم بعضا وتحترم فيه الحقوق والواجبات وتحدد حرية كل منهم بحدود حريات الاخرين حتى لا يقع الظلم والعدوان وتنتهك فيه القيم والمباديء.
وهذا هو دستور الرسالة المحمدية (القرآن) كتاب احكمت آياته بارادة وقدرة منزله تنتهل منه الانسانية علوما ومعارف ونظريات على قدر ما يستطيع الناس فهمه , ومازال معظمه بعد اكثر من (14) قرنا بعيدا عن ادراك العقول ...وهذه "سبحان الله" واحدة من معاجز الرسالة المحمدية... فكثير من آيات القرآن لم تفسرها عقول الاولين بل سلطت عليها الاضواء مكتشفات الاخرين ...منها على سبيل المثال قوله سبحانه (خلق ما يرى وما لايرى) والتي ما فسرها الا اكتشاف الميكروسكوب الذي ابان للعلماء وجود الميكروبات والفيروسات والاحياء احادية الخلية... ومنها ما تحدث عن السينما والتوثيق الصوري (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) التي ابان معناها اكتشاف التصوير والفيديو... وغيرها كثير لأنه لا يعلم تأويله كاملا الا الله جل في علاه... اذن هي رسالة لكل الانسانية في كل العصور والازمان والدهور حتى قيام يوم الدين.
ولقد سلطت احاديث المصطفى (ص) الاضواء بالتفسير والتوضيح على كثير من الايات الربانية فكان (ص) مدرسة شملت احاديثه لصحبه (رض) كل مناحي الحياة وجوانبها (الصحة والاقتصاد والعدل والمساواة والرحمة والامانة والعلاقات الانسانية والاسرية والتعاملات التجارية والعلوم والفلك) وغيرها.
وفي حياتنا العامة نسير على هدي تلك التعاليم ومسارات وقنوات الاداء والعطاء والسلوك ... ولكننا للأسف ضيعنا او ادرنا ظهورنا لكثير منها .. ومنها ما هو استراتيجي في حياتنا فأسأنا لربنا الذي اراد هدايتنا الى سواء السبيل والى نبينا الذي جاءنا رحمة من رب رحيم ولأنفسنا فأنحدرنا الى الحضيض.
ومن اسوأ ما اقترفناه في تنكرنا لتعاليم ديننا وسنة نبينا هو تشرذمنا وتناحرنا وتحطيم اواصر ولحمة الاخوة فيما بيننا فوضعنا السيف برقاب بعضنا بدلا عن عناقنا كأخوة بالدين وكأن نبينا لم يحذرنا بصريح العبارة (لاتعودوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض).
ويعلم العارفون بالقرآن ان هذا الانذار لم ينطلق من ضمير بشر وانما يرتبط بتحذير رب العرش العظيم من ان لا نكون كاليهود الذين اعطوا الرب سبحانه موثقهم ان يتحابوا ويتآلفوا فتنكروا لعهدهم واقتتلوا وهجروا بعضهم البعض واسروهم وطلبوا عنهم الفدية فحل عليهم غضب الله ولعنته (( واذ اخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم ثم اقررتم وانتم تشهدون..ثم انتم هؤلاء تقتلون انفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وان يأتوكم اسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب)) " البقرة 85,84 " .
بهذه الصورة البشعة المسخة قدمنا للأمم والشعوب صورة ديننا وتعاليم شريعتنا السمحاء فأرتسمت في ظل منظومة الاعلام الحديثة التي حولت العالم الى قرية صغيرة صورة نبينا المصطفى (ص) في عيون الاخرين لا روحا ملائكية تبشر بالمحبة والتسامح والخلق الرفيع بل ارهابيا يعتمر بدل العمامة لغما او قنبلة.
غضبنا وثارت ثائرتنا وزمجرنا كأسود مستفزة دون ان نعترف بأن ذلك الرسم الكاريكاتوري لم يكن بريشة ذلك الاوربي وانما بنصال حرابنا التي جرحنا بها قلوب وضمائر كل الشعوب والامم ولم يسلم منها ابناء جلدتنا .
وكيف لا ينظر الاخرون الى المسلمين بهذه الصورة فيما الخارجون عن الدين يقترفون كل فظاعاتهم ومجازرهم تحت راية (لا اله الا الله محمد رسول الله) ويذبحون ابناء بعضهم مكبرين (اللهم تقبل منا هذا القربان) وينشرون تلك المشاهد الوحشية عبر شاشات فضائيات سخرت لتشويه الاسلام؟؟؟
ان الابتهاج والاحتفال بعيد مولد سيدنا ورحمة ربنا لنا ليس بأيقاد شمعة ولا عود بخور او صحن حلوى بل بأن نكون كما ارادنا الرب العظيم خير امة اخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر .. لأن الرحمن عندما خلق الجن والانس ليعبدوه اشترط ان تكون سلوكياتهم واخلاقهم قويمة سليمة حتى يرضى منهم عباداتهم (( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا))./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام