في منطقة شعبية باحدى مناطق محافظة كربلاء عثر على متسول عجوز ميتا في حجرته الفقيرة الخالية من الاثاث بعد مرض استمر اياما لم يزره فيها طبيب اويأخذه احد الى الطبيب ..كان الرجل يمارس مهنة التسول منذ ان عرفه اهل الحي بملابسه الرثة التي ولد فيها كما يعتقد البعض وكان يقضي ايامه في المقابر حتى عطف عليه مختار المنطقة ووهبه حجرة موحشة وباردة في بناية يملكها ليقضي فيها الليل على الاقل ..
عندما وصل المختار ليتولى امر دفنه حاول البحث في حجرته عن أي غطاء يلف به جسده لنقله الى المستشفى وسحب بطانية قديمة مكومة في ركن الحجرة ليكتشف فجوة في الحائط تغطيها قطعة من البلاستك بالمسامير لم يعهد وجودها في حجرة يعرفها جيدا ..ازال القطعة ومد يده في الفجوة الكبيرة لتقع على كيس قماشي يحوي اوراقا نقدية من فئة قديمة ولدهشة الحاضرين الشديدة ، كانت الفجوة ملأى بعدة اكياس رتبها العجوز بطريقة يعجز عن اتباعها لص محترف ..
عقد الذهول السنة الحاضرين فهذا الشيخ المسجى بثيابه الرثة يملك ثروة لاسبيل الى عدها بينما لاياكل جيدا او ينام على فراش وثير او يرتدي ملابس جيدة او يتزوج او يرزق بابناء طوال حياته التي قضاها متسولا ليجمع النقود فقط ثم يتركها خلفه دون ان ينتفع بها ولو ليوم واحد فقط ..
واذا كان هذا العجوز قد مارس التسول مثل عادة تأصلت فيه ولم يفكر في الانتفاع من ارباحها فهناك غيره يجيدون استغلال التسول ويتخذونه مهنة يمارسونها بشكل عائلي وجماعي ..
ففي منطقة الدورة ، شوهد متسول يسحب جسمه سحبا بسبب فقدانه ساقيه ويتنقل بخفة بين المركبات ليمد يده من نافذة السائق مثيرا الفزع في قلوب الركاب اذ لايظهر منه الا كفه ...الغريب ان متسولا آخر من النوع نفسه وفد الى التقاطع نفسه وصار منظر الاثنين وهما يزحفان بين المركبات فريدا من نوعه في عالم التسول ..وفي التقاطع المقابل لجامعة بغداد في الجادرية لم يعد غريبا مشاهدة ثلاث نساء كل منهن تحمل طفلا رضيعا ولاينافسهن أي متسول آخر في ذلك المكان ، مايدفع الى الاعتقاد بان هناك عملية توزيع فرص عمل متساوية للمتسولين وباسلوب عادل تماما ! ففي كل تقاطع او شارع مهم توجد شلة معينة من المتسولين تتقاسم الايرادات وهذا افضل طبعا من ان يتقاسموا مكانا واحدا ، وقد تنوعت عاهاتهم التي يظهرونها ووسائل استجدائهم لأن ايراداتهم ستتفاوت في تلك الحالة وقد يؤدي ذلك الى حدوث خلافات ..ويبدو ان هنالك عقلا مدبرا ومدير اعمال ناجحا يقف وراء تنظيم عملية التسول هذه التي اصبحت لاتضاهيها أي مؤسسة اخرى في اسلوب التنظيم والادارة ...!
شركات مستقلة
صباح حسين / صاحب محل للمواد الغذائية في منطقة الكرادة يرى ان التسول تحول الى مؤسسة مستقلة تضم متعهدين ومراقبين ومستخدمين فهو يرصد يوميا مع اصحاب المحلات الآخرين والمارة كيف يجلب المتعهد مجموعة من المتسولين في سيارة (كيا ) وينتشروا بعدها في الشوارع ليؤدي كل منهم مهمة معينة فهناك من يبيع البخور او المناديل الورقية والعلكة وهناك النساء اللاتي يحملن اطفالا رضع ينامون طوال الوقت وكأنهم مخدرين يضاف اليهم المعاقون من الشيوخ والاطفال الذين فقدوا طرفا او عينا بفعل فاعل احيانا ...وقبل هبوط المساء –كما يؤكد حسين – تعود السيارة ( الكيا ) لتجمع المتسولين من الشوارع وتعود بهم وخلال وقت عملهم يتجول شخص يبدو ان عمله هو مراقبتهم خشية اخفائهم المال لأنفسهم اومحاولتهم التمرد على المهنة ولحمايتهم ايضا من تجاوزات المتسولين الآخرين ...
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية حاولت الاسهام في القضاء على ظاهرة التسول من خلال استحداث وحدة لادارة ملف ظاهرة التسول والتشرد بالتنسيق مع الجهات المعنية لكون الوزارة كانت عضوا في لجنة الحد من ظاهرة التسول التي ضمت ممثلين عن وزارات الداخلية والدفاع والصحة والتربية وحقوق الانسان ومجالس المحافظات وقد حققت مايتطلب منها ضمن الحدود المرسومة لها في بغداد والمحافظات من خلال شمول المتسولين على وفق آلية خاصة باعانات الحماية الاجتماعية ..مدير اعلام الوزارة عمار منعم يرى ان هذا الاجراء لم يكن كافيا لكون التسول على نوعين احدهما القائم على الحاجة الانية اما الآخر وهو الاخطر فهو القائم على الاحتراف داعيا الى تضافر جهود الجهات ذات العلاقة للوصول الى نتائج ناجعة للمعالجة ، مشيرا الى ان المسؤولية الاساسية في عملية ايجاد المشرد وارساله الى الجهة المعنية تقع على عاتق وزارة الداخلية ..
الباحث الاجتماعي اياد النصراوي يؤكد ماسبق اذ تقع مسؤولية السيطرة على مافيات التسول على وزارة الداخلية –في رأيه – مشيرا الى ان اسباب تزايد التسول مؤخرا كثيرة منها البطالة وبلوغ العديد من المحافظات خط الفقر فضلا عن تراجع الملف الامني واعتداءات داعش وجرائمه التي تسببت بنزوح جماعي لدرجة انتشار متسولين من سوريا والموصل ايضا في بغداد والمحافظات ..
عقوبات ليست رادعة
ويرى النصراوي ان هنالك مفاهيم اجتماعية تشجع المتسولين على الاستمرار في ممارسة مهنتهم منها الحديث عما يدره التسول من اموال او اتخاذه غطاءا لممارسة افعال اخرى كالبغاء او التجسس علاوة على ان تسرب الاطفال من مقاعد الدراسة لغرض كسب المال ساعد على تفاقم الظاهرة ..ويشير النصراوي الى ان خطورة هذه الظاهرة يستوجب التفات المسؤولين اليها والقضاء عليها بصرامة خاصة وان العقوبات القانونية لها ليست رادعة فالتسول يعتبر من الجنح وعقوبته الحجز البسيط لمدة 24 ساعة او السجن لمن يمارسها بمدة تتراوح من شهر الى ثلاثة اشهر في حين ترتفع العقوبة الى ستة اشهر لمن يدعي العاهة وكذلك لمن يشجع عليها او يدفع لها بعقوبة لاتزيد عن السنة ...
وتقلق وزارة الداخلية بدورها من تأثيرات التسول على المجتمع العراقي وعلى سلوكيات الصغار والفتيات فضلا عن احتمال استخدام المتسولين من قبل المجاميع الارهابية لذلك تقوم عناصر الشرطة بحملات مستمرة على المتسولين كما اكد المتحدث الرسمي للوزارة العميد سعد معن ان دوريات النجدة تقوم بتسليم المتسولين الى مراكز الشرطة ليتم فرز الكبار عن الاحداث واذا كان الحدث يمارس التسول لأول مرة فيكتفي الشرطة بأخذ تعهد على عائلته بعدم تكرار ذلك اما اذا عاد الى ذلك فيجري تطبيق القوانين عليه وينقل الى سجن الاحداث التابع الى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لأعادة تأهيله ...
من الضروري اذن –كما يرى الباحث الاجتماعي اياد النصراوي - ان تولي الجهات الحكومية المختصة هذه الظاهرة اهتماما اكبر لما تعكسه من تأثير سلبي على واجهة البلد وان يجري تكثيف الحملات للقبض على المتسولين وقبل كل شيء ايجاد وسائل لتقليل البطالة والسيطرة على تسرب الاطفال من المدارس عبر تطبيق قانون التعليم الالزامي وحبذا لو يتم تشريع قانون يتضمن عقوبات رادعة للمتسولين كالحبس لفترة اطول او دفع غرامة كبيرة عسى ان يساعد ذلك على الحد من هذه الظاهرة ./انتهى
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التليغرام